لم يسبق أن أثارت الدراما التلفزيونية لغطا في العالم العربي، كما يحصل حالياً، لجهة منع القضايا، وتحويل المسارات وحذف الكثير من العناوين والجمل، التي تشكل خرقاً اجتماعياً دينياً وسياسياً. وفي كل الحالات التي تشمل تدخلاً مباشراً في سياق تلك الأعمال، سوف تفقد تلك الدراما مصداقيتها وحضورها، إن تم تحويرها وفق ما ترتئيه السلطات في زمان ومكان ما.

ويعتبر الموسم الرمضاني المنصرم الأكثر عنفاً في تاريخ الدراما التلفزيونية العربية، حيث تم منع بث نهائي لعملين وتأجيل بث ثالث وحظر رابع عن العرض في إحدى الدول العربية، واتهام خامس وسادس بالتشويش والتشويه، وصدرت عبارات كثيرة اتهامية اجتهد أصحابها على جعلها شهادات بالتكفير للقائمين على تلك الأعمال.هل صار العمل الدرامي والمسلسلات ورقة ضغط على الحكومات والجهات الرسمية؟ يتساءل أحد الكتاب ساخراً من الحال الجديدة التي فرضتها بعض الأعمال الدرامية التلفزيونية على إيقاع الحياة العربية، وقد صارت تلك الأعمال تشكل تهديداً ما بإثارة مشكلات ونزاعات لدى بعض المؤسسات الرسمية، بينما قال الكاتب أسامة أنور عكاشة في تصريحات صحافية حول هذا الأمر أن تأثير الدراما كان دائما مخيفا وفاعلا ومؤثرا أكثر من أي وسيلة إعلام أخرى بحكم تنوع المشاهدة وتعدد مصادرها.

ففي سوريا على سبيل المثال، تم إيقاف عرض المسلسل الاجتماعي «رياح الخماسين» عن نص الكاتب أسامة إبراهيم وإخراج هشام شربتجي، بسبب تعرضه لتفاصيل حياة سجين سياسي يخرج من السجن، ليواجه الكثير من العقبات، وليبدأ رحلته في التصدي لكثير من مظاهر الفساد، الأمر الذي أثار حفيظة المؤسسة الرسمية، فأدى إلى إيقاف مؤقت للعمل، وتم بعده تدارك الأمر بعودة بث الحلقات من جديد.

وتابع الناس حالة الاستياء، التي أثارها عرض مسلسل «أسمهان» لدى عائلة آل الأطرش في سوريا ولبنان ومصر، وسعى فيصل الأطرش أحد أبناء عمومة الأميرة آمال الأطرش (أسمهان) لوقف عرض هذا العمل بشكل أو بآخر، فاستجابت وزارة الإعلام لتلك الدعوات التي أثارها، وأوقف التلفزيون السوري عرض مسلسل «أسمهان»، في حين انتشر عرض العمل ذاته على تسع محطات تلفزيونية عربية.

محققاً أعلى نسبة مشاهدة رمضانية لمسلسل درامي، ولدرجة تصدر فيها العمل استفتاءات الكثير من وسائل الإعلام العربية حول عرض أفضل عمل قدم خلال رمضان، وبالتالي قدمت اتهامات آل الأطرش للعمل انتشاراً سريعاً وحضوراً فاعلاً على شاشات البث العربية، ولم يحقق أصحاب الدعوى القضائية ضد العمل أي مكاسب تذكر حتى هذه اللحظة.

ولا يخفى على من يتابع تفاصيل آلية صنع القرار وإصداره بحق تلك المسلسلات، أن ثمة قرارات منع مماثلة اتخذت في دول أخرى بإيقاف بث حلقات مسلسل ما او فيلم سينمائي معين، من دون أن تجدي تلك القرارات في إيقاف عرضها في مكان ما.

وعلى سبيل المثال، إذا كانت الرقابة المصرية لا تزال متمسكة بمنع العرض السينمائي لفيلم الراحل مصطفى العقاد «الرسالة »، فإن هذا الفيلم عرض عن طريق الفيديو على نطاق واسع، وصارت المحطات الفضائية العربية تبثه بشكل دوري.

ولا يبدو قرار المنع في هذه الأثناء فاعلاً في إسكات القائمين على الأعمال الدرامية أو منع النصوص التي ازدادت مساحة الجرأة فيها بحق أو من غير وجه حق، لأن المحطات الفضائية تتلقف تلك الأعمال وتقدمها كمادة إعلامية إعلانية جاهزة، وصار المسلسل يمنع في مكان وينشر في عشرة أماكن أخرى، وهذه واحدة من ميزات البث الفضائي العربي.

وبالتالي سيثبت المنع فشله في التصدي لتلك الأعمال، وربما من الأفضل ومن المجدي أيضاً أن يكون هناك هامش أوسع من الحرية، ومن تعزيز دور الرقابة الذاتي لدى الكتاب والفنانين أنفسهم بدلاً من استصدار قرارات وهمية، ربما ما عاد يجدي العمل بها في ظل الانفتاح والانفلات الإعلامي الذي يعيشه العالم الآن.

دبي ـ جمال آدم