خمسون عاما تلتئم قريبا على ميلاد أشهر فرقة عربية للفنون الشعبية، الفرقة التي جابت أرجاء العالم شرقا وغربا، شمالا وجنوبا، لتنشر البهجة في جميع الأرجاء برقصاتها الفلكلورية التي تميزت بها، الفرقة التي أسسها وقادها وشارك فيها محمود رضا وفريدة فهمي لتشتهر باسم «فرقة رضا».

ولم تزل عبر هذه السنوات تحلق من نجاح إلى آخر، رافضة أن تتسرب الشيخوخة إلى روحها أو رقصاتها.. تعالوا نتعرف على الفرقة ونشأتها، وما مرت به، واستعداداتها للاحتفال بذكرى مرور 50 عاما على إنشائها.. وإلى التفاصيل. قبل العام 1959م، لم تكن فرقة رضا قد رأت النور، إنما بدأ المخاض للمولود الجديد قبل هذا التاريخ بعامين، حينما التقت نخبة من مثقفي مصر وفنانيها، تكاتفوا معاً من أجل الإعداد لأوبريت غنائي شعبي مصري، منذ عروض المعابد والشواطئ عند الفراعنة، وحتى خمسينات القرن العشرين، وكان على رأس هؤلاء المثقفين الأديب الراحل يحيى حقي، المفكر توفيق حنا.

والكتَّاب علي أحمد باكثير، زكريا الحجاوي، نجيب محفوظ، والشاعر عبد الفتاح مصطفى، أستاذ اللغويات حسن فهمي، الموسيقاران أحمد صدقي، عبدالحليم نويرة، المايسترو إبراهيم حجاج، والفنانة نعيمة عاكف، والمصمم الراقص الأول محمود رضا وشقيقه الفنان علي رضا وزوجته أستاذة الرقص فريدة فهمي، ومعهم المخرج زكي طليمات هؤلاء جميعاً وغيرهم تضافرت جهودهم لظهور أوبريت (يا ليل يا عين) في العام 1957 كأول استعراض غنائي شعبي مصري، ولم يفوِّت محمود رضا الفرصة.

فقد استوحى منها فكرة تكوين فرقة خاصة للفنون الشعبية بالاشتراك مع شقيقه الراقص والمصمم والمؤلف الموسيقي علي رضا، والراقصة الأولى فريدة فهمي لخبرتها الفائقة في التدريب وتصميم الأزياء وهكذا قدمت الفرقة عرضها الاول على مسرح الأزبكية في أغسطس العام 1959، وقد بلغ عدد أعضائها عند التأسيس 13 راقصة و13 راقصاً و13 عازفاً، أغلبهم من المؤهلين خريجي الجامعات، وصمم محمود رضا الرقصات التي استوحاها من فنون الريف والسواحل والصعيد والبرية، وقام بإخراجها تحت إشراف الدكتور حسن فهمي.

أوركسترا الفنون الشعبية

بعد النجاح الذي أحرزته الفرقة على مدى عامين، قررت الحكومة المصرية إخضاع الفرقة إلى إدارتها، وذلك بداية من العام 1961، وعهدت بإدارتها للشقيقين محمود وعلي رضا، وفي العام التالي لذلك القرار انتقلت عروض الفرقة إلى مسرح متروبول، حيث أصبح لها منهاج خاص.

وملامح متميزة في عروض الرقص الشرقي، ثم كان اللقاء الفني بين محمود رضا والموسيقار علي إسماعيل الذي أثمر أول أوركسترا خاص بالفنون الشعبية بقيادته، حيث أعاد توزيع الموسيقى لأعمال الفرقة السابقة، وقام بتلحين العديد من الأوبريتات الاستعراضية منها: وفاء النيل، علي بابا والأربعين حرامي، رنة الخلخال.

وقد تنقلت الفرقة بعد ذلك بين العديد من المسارح، منها مسرح 26 يوليو بالعتبة، ثم مسرح نقابة المهندسين، ثم دار الأوبرا، وأخيراً مسرح البالون، حيث استقرت به حتى الآن، وفي فترة السبعينات وصل عدد الفنانين من الراقصين والراقصات والموسيقيين إلى 180 فناناً.

حينئذ قرر محمود رضا تقسيم الفرقة إلى ثلاثة أقسام: الفريق الأساسي الذي يقدم العروض داخل وخارج جمهورية مصر العربية، فريق يمثل الصف الثاني للفرقة، فريق يتكون من مجموعات تحت التدريب، وتأسس بعد ذلك مركز لتخريج دفعات من الأعضاء لدعم الفرقة.

وهي مدرسة فرقة رضا للمواهب الجديدة، وفي الثمانينات قدمت الفرقة لوناً جديداً من ألوان الرقص وهو الموشحات الراقصة التي لاقت نجاحاً كبيراً، ومنها: عجباً لغزال قتال عجباً، وموشح (لحظ رنا) من تأليف وتلحين فؤاد عبدالمجيد.

الراقص الأول

إلى ذلك، قال سامي صديق مدرب الرقص الشهير ومدير الفرقة السابق: قام الفنان محمود رضا باختياري بنفسه حينما تقدمت ضمن مسابقة لاختيار راقصين وراقصات للفرقة في بداية إنشائها، وأذكر جيدا أنه تم اختيار 3 راقصين، و3 راقصات من بين 50 راقصا وراقصة في المسابقة التي استمرت 10 أيام.

وذلك يؤكد أن رضا كان حريصا للغاية في اختياره لأعضاء الفرقة. ويلفت صديق إلى أن هناك مركزا خاصا للتأهيل في الفرقة، عبارة عن مدرسة صغيرة يتم من خلالها اكتشاف المواهب واختيار الراقصين والراقصات.

لم تشخ

وحول العدد الحالي لراقصي وراقصات الفرقة أوضح أنه 24، إلى جانب الأوركسترا العازفة، و24 موسيقيا وكورالا، وينفي صديق ما تردد عن انفصاله عن الفرقة بعد هذا المشوار الطويل. وينفي صديق أن تكون الشيخوخة قد تسربت إلى الفرقة، تحت مزاعم أن سن راقصيها وراقصاتها فوق الحد المسموح.

رواتب متدنية

لكن لأن الأمر ليس ورديا على الدوام، يشير صديق إلى تدني الحالة الاقتصادية لأعضاء الفرقة، لاسيما بعد إخضاعها لإشراف الدولة، فالراقص المتميز عالي الأداء لا يتجاوز راتبه 300 جنيه شهريا، ما يجعل كثيرا من الراقصين يتجهون للعمل الحر حيث يصل أجر الساعة الواحدة في تصوير الفيديو كليب إلى نحو 300 ـ 400 جنيه للراقص، لذلك ينبغي تحسين رواتب العاملين بالفرقة حتى لا يضطروا للعمل في غيرها.

أما عبدالعال مصطفى أحد مؤسسي الفرقة والمنسق العام لبرامجها ومهرجاناتها فيؤكد أن حال الفرقة حاليا ليس كالسابق، بل تحتاج إلى دعاية جيدة حتى تعود فرقة رضا إلى مجدها السابق، بعد أن غطى عليها الفيديو كليب والقنوات المتخصصة.

لكنه يؤكد أيضا أن رضا حرص على وجود هيكل معين في فرقته، فكان هناك راقصون أساسيون من القدامى وأصحاب الخبرة، بالإضافة إلى كوادر جديدة يقدمها من خلال مركز التأهيل التابع للفرقة حيث يتم اختيار عدد من الراقصين والراقصات بين سن 17 ـ 18 عاما، ويحافظ على ذلك مدير الفرقة الحالي إيهاب حسن تحت إشراف المدربة نيفين رامز، وهناك عروض ورقصات تقتصر على الشباب فقط.

وحول ما تحتاجه الفرق الشعبية للنهوض مرة أخرى، ومواجهة سطوة الفضائيات والفيديو كليب يشير رضا إلى ضرورة العودة إلى المسرح والفن والتراث العربي والتقاليد الشرقية التي نشأنا عليها، لأنها الوعاء الحقيقي الذي يحفظ تراثنا الشعبي وليست أغاني الفيديو كليب التي تشبه قوالب الزبد التي تذوب حينما تطلع عليها الشمس.

ويبرر الفنان إيهاب حسن مدير الفرقة الحالي الإصرار على إعادة بعض اللوحات الاستعراضية القديمة للفرقة مجددا، مؤكدا أن هذه اللوحات حققت نجاحا كبيرا في كل مرات عرضها، وتعتبر من كلاسيكيات الفرقة التي تحظى بحفاوة كبيرة من الجمهور.

أزمة

وينفي مدير الفرقة ما تردد عن تردي أوضاعها، مشيرا إلى أنها تشهد في الفترة الأخيرة تطورا واضحا، فعلى سبيل المثال أصبح للفرقة أكثر من بطلة، فهناك نسرين بهاء راقصة أولى وكذلك دعاء إسلام، بالإضافة إلى جيل جديد من الراقصات الشابات من ذوات المواهب المتميزة.

كما نحاول النهوض بالفرقة من خلال الأجيال الجديدة، لكننا نعاني من عدم انتماء الجيل الجديد للفرقة بسبب إغراءات القنوات الفضائية والفيديو كليب.غير أن مدير الفرقة يواصل حديثه بنوع من الإصرار والثقة: نسعى جاهدين خلال الفترة الحالية لتجاوز هذه العقبات بإيجاد مصادر لتحسين الأحوال المادية لأعضاء الفرقة، ونعد بمفاجآت خلال الأسابيع المقبلة حيث نحتفل خلال العام المقبل بمرور 50 عاما على إنشاء الفرقة.

القاهرة: (دار الإعلام العربية)