للأشياء القديمة على اختلاف أنواعها عشق خاص لدى كثيرين، ممن تربوا على الأصالة والذوق الرفيع، تتنوع ألوان هذا العشق بين عملات نادرة، طوابع بريد أثرية، أنتيكات وتحف فريدة، إلى أسطوانات الفونوغراف أو الغراموفون الكلاسيكية التي كنا نشاهدها في أفلام الأبيض وأسود للسينما المصرية في بداياتها.. شريف رضا كان أحد من أسلموا أنفسهم طواعية لهذا العشق على مدى أكثر من خمسين عاما.
جمع خلالها أكثر من ألف أسطوانة من أندر الأسطوانات لمشاهير الطرب والسياسة.. في السطور التالية نتعرف إلى تفاصيل أكثر حول هاوي الأسطوانات المصري. تتعدد الهوايات وتتباين من شخص إلى آخر، منها ما لا يكلف صاحبها إلا القليل، ومنها ما تكلفه كل ماله ووقته وجهده ويمكن تصنيف الهواية التي نحن بصددها من القسم الثاني، هواية ذات تاريخ جمع بين طياته أصوات أناس أثروا عصرهم والأجيال التالية وحتى وقتنا هذا، فلم تزل أسماؤهم علامات مضيئة في حضارة تاريخنا المعاصر.. إنها هواية جمع الأسطوانات القديمة التي تلبست الفنان التشكيلي المغمور شريف رضا الذي يؤكد أن عمر هذه الهواية يتجاوز المئة عام.
ألف أسطوانة نادرة: تشعر حينما تستمع إلى «رضا» يتحدث عن هوايته، كأنك تستمع إلى عاشق يتغزل في سجايا معشوقته، ويمكنك ملاحظة الرقة المتناهية التي يتعامل بها مع أسطواناته، يدافع عن هوايته بشدة، غير آبه بما تكبده من أموال حتى لو دفعته الرغبة في اقتناء أسطوانة إلى الاستدانة أو حتى بيع جزء من منزله. ولم يكن غريبا والأمر كذلك أن تتجاوز مكتبته من هذه الأسطوانات النادرة الألف، جميعها حصل عليها من أصحابها شخصيا لضمان عدم تعرضها للتزوير، كما أن سنوات عمره الذي جاوز الثمانين كرس غالبيته لهذه الهواية التي ورثها عن والده قبل أكثر من سبعين عاما حينما كان طفلاً في العاشرة من عمره .
مشاهير الطرب والسياسة: يصف هاوي الأسطوانات المصري نفسه بأنه شخص عادي يعمل كمخرج صحافي ويمارس الفن التشكيلي، يعيش في حي الدقي الذي ولد فيه، مؤكدا أن عدد الأسطوانات الأصلية التي يمتلكها حاليا 1010 أسطوانات متنوعة، لأكثر من 70 اسما من مشاهير الطرب والسياسة، مثل الموسيقار سيد درويش الذي وقع على جميع أسطواناته بخط يده منعا لعدم تعرضها للتقليد والتزوير وكذلك أسطوانات منيرة المهدية، الشيخ سلامة حجازي، الموسيقار محمد عبدالوهاب، سيدة الغناء العربي أم كلثوم، بديعة مصابني، ليلى مراد، فيروز، أسمهان، شادية، محمد فوزي، محمد عبدالمطلب.
وكذلك للشيوخ أبوالعنين شعيشع، عبدالباسط عبدالصمد، محمد رفعت وغيرهم، موضحا أن هناك اختلافاً بين هذه الأسطوانات في أحجامها وأشكالها باختلاف الفترة الزمنية لصدورها، لاسيما في الخامة إذ أن أصلها قديما كان من الحجر، تتعرض للكسر إذا سقطت على الأرض، بعد ذلك قامت بعض الشركات بوضع مادة بلاستيكية أو ورقية داخل مادة الأسطوانات حتى لا تتعرض للكسر، وصولا إلى مرحلة أخرى وهي مرحلة كونها من البلاستيك الخالص.
موضحاً أن أجود صناعة للأسطوانات تعتبر الصناعة الألمانية، تليها انجلترا في المرتبة الثانية ثم الهند التي أخذتها عن طريق انجلترا، وبعد فترة من الزمن بدأت مصر بتصنيعها لتنافس في هذه الصناعة المهمة.
هواية مكلفة
يعترف «رضا» بأن هوايته مكلفة جدا، مبررا ذلك بأنها نادرة التواجد، فضلا عن وجود منافسة كبيرة في الفترة الأخيرة من قبل الهواة، لاسيما من جانب الهواة الخليجيين الذين لا يتورعون عن دفع أي مبلغ للحصول على الأسطوانات النادرة، ما يضاعف كلفتها أضعافا عديدة في بعض الأحيان. وحول كيفية معرفته بكون الأسطوانة أصيلة يوضح أن الأصلية تكون غالبا موقع عليها من صاحبها لإثبات أصالتها، إذ كانوا حريصين على ذلك لتجنب التزوير.
إلا أنه يؤكد أن عددا من الأسطوانات التي يمتلكها ذات قيمة مادية ومعنوية كبيرة، منها أسطوانة لرثاء الزعيم المصري مصطفى كامل في العام 1907 بصوت سلامة حجازي تقدر بسعر خرافي على الرغم من أنه أشتراها منذ 20 عاما ب50 جنيهًا.
وهناك أسطوانة أيضا للملك فاروق تحتوي نشيد ميلاد الملك بصوت أم كلثوم، وأخرى بصوت «بشارف سامي أفندي الشوا»، بالإضافة إلى أسطوانة خاصة بتولي الملك سعود بن عبدالعزيز العرش، حاول البعض شراءها منه ب12 ألف جنيه مصري إلا أنه رفض ذلك لأنها نادرة جدا، مؤكدا رفضه بيع جزء من الحضارة الإنسانية، التي لا يعوض المال قيمتها المعنوية.
لذلك يحرص على الحفاظ عليها لتكون تراثا يتوارثه أبناؤه مثلما ورث عن والده حب هذه الهواية، مشيرا إلى أنه فكر في إقامة معرض لعرض هذه الأسطوانات، إلا أن خوفه من أن تتعرض للكسر أو السرقة منعه من تنفيذ هذه الفكرة.
منافسة
ولا يجد «رضا» حرجا في الاعتراف بأنه يجد منافسة شرسة في السنوات الأخيرة في هوايته، لاسيما من قبل الهواة الخليجيين، موضحا أنهم يعتبرون هذه الأسطوانات رمزا من رموز الحضارة التي ينبغي الحفاظ عليها، واقتناصها بأي ثمن، وهو توجه حميد إلا أنه لعب دورا في إشعال المنافسة لاسيما في السوق المصرية التي تضم عددا كبيرا من الأسطوانات النادرة.
الاسم: شريف رضا
المهنة: مخرج صحافي
الهواية: جمع الاسطوانات القديمة
الإقامة: حي الدقي ـ مصر
القاهرة ـ دار الإعلام العربية



