لايزال الحديث عن التخت الشرقي وما حدث في الموسيقى الشرقية من تغير الأشياء فيها منها الذي تطور ومازال متمسكا بجذوره، ومنها من تنازل عن ثوابته من أجل الوصول إلى أهداف تم ترويجها غربيا بأنها أقصر الطرق للوصول للعالمية، وهذا ما حدث بالفعل مع التخت الشرقي الذي يرمز للأصالة والعراقة والذوق والحس المرهف والنغم الراقي الذي يفرز سيمفونية رائعة قد توصف كعلاج للعديد من الأمراض..

أما الآن وبعد أن تحولت صورة التخت إلى الفرق الموسيقية، وأضيفت لها الآلات الكهربائية الغربية، فقد اختفى التخت في الشكل، لكن لم تختف أدواته، ولاتزال هي الأركان الرئيسية والمعلم الأول لكل فنان فالعود هو عمدة الآلات، والناي وتر القلوب، أما القانون فهو الحاكم والمسيطر والمنظم، ومازالت حفلات الأوبرا للموسيقى العربية هي الأكثر رواجا حتى الآن و(أمان ياللا للي.. أمان).ويشير الفنان منير الوسيمى - نقيب المهن الموسيقية المصرية إلى أن مصر بها عدد كبير من عمالقة هذا التخت التي تتغنى بموسيقاهم، بينهم على سبيل المثال عازف الكمان المشهور أحمد الحفناوي، عبد الفتاح منسي عازف القانون، جورج ميشيل عازف العود، أسامة الشوا عازف الكمنجة، هذا بالنسبة لجيل الرواد، أما المعاصرون فأشهرهم - وهم من العناصر الأساسية في التخت - سعد محمد حسن، رضا رجب، على العود، محمد حسن، فاروق سلامة، مجدي الحسيني، عمرو خورشيد، هاني مهنى، وعلى القانون أحمد فؤاد حسن، ومعظم السابقين مشهورون محليا ودوليا، وهناك فرق حازت على شهرة كبيرة في هذا الاتجاه منها فرقة صلاح غباشي وسليم سحاب وغيرهما لكن ماذا يقول أهل هذا الفن؟

شرقي وعربي مئة بالمئة

يرى الموسيقار صلاح عرام - قائد الفرقة الذهبية أن التخت الشرقي لم يعد موجودا بالصورة التي كان عليها في الماضي، وإنما اختلف عن الشكل السابق، وقد أطلق عليه اليوم اسم (فرقة موسيقية) تؤدي نفس الأعمال التي كان يقوم بها التخت الشرقي مع المطربين والمطربات، كما يقدم المقطوعات الموسيقية.

يضيف عرام: عاصرت أشهر العازفين في القانون حيث كان العازف محمد عبده صالح عازف القانون رئيس تخت أم كلثوم، ورئيس الفرقة الشرقية في الإذاعة في ذلك الوقت، كما كان هناك عازف الرق الجميل إبراهيم عفيفي، وعازف الناي حسن فاضل وهم من العلامات البارزة للتخت الشرقي في ذلك الوقت.

وبتطور الحياة بشكل عام وظهور الفنون الأخرى مثل السينما والأفلام الغنائية ظهر هناك جيل ما يسمى بالمحدثين الموسيقيين أمثال القصبجي ومحمد عبد الوهاب في مصر، ومحمد القبانجي في العراق، والرحبانية في لبنان، وأضافت آراؤهم نوعا من التطور والتحديث، وإضيفت آلات جديدة صاحبت المطربين، وتبعها نوع من الاستعراض، وتلك التطورات جعلت التخت يضيق، ولا يستطيع أن يتحمل أكثر من آلاته الخمسة فظهرت الفرق الموسيقية.

وهذا الأمر أوجد ما يسمى بالتوزيع الموسيقي الذي لم يكن موجودا في التخت، وأضيفت العديد من الآلات سواء الشرقية أو الغربية، وكبرت الفرق، وظهر المطربون التعبيريون أمثال أسمهان، عبد الحليم، فيروز والذين تصاحبهم الفرق الكبيرة، وهذا التطور أضاف ألواناً غنائية جديدة مازالت موجودة إلى الآن سواء اتفقنا أم اختلفنا معها.

من جهته يشير الموسيقار مجدي الحسيني الذي يعد من أهم رموز الموسيقى المصرية والعربية القديمة والجديدة حيث عاصر مسيرة التخت الشرقي إلى أنه يشعر في داخله بثورة داخلية نتيجة لما يحدث للتخت الشرقي، وانه لم يكن ممكنا في عصر العمالقة أمثال أم كلثوم وفايزة أحمد والملحنين محمد سلطان وبليغ حمدي والسنباطي وعبد الوهاب أن يستعمل الأورج للقيام بأعمال التخت، لم يكن هذا ممكنا.

لكن الآن يأتون به لأنه يعطي أصوات آلات كثيرة مثل الكمان والبيانو وغيرهما، وكان الهدف أصلاً من هذه الآلة أن تقوم بدور العديد من الآلات لتوفير النفقات أو ضغطها، وقد أصبحت الآن بعد أن جمعت أصوات العديد من الآلات في آلة واحدة مزعجة، وأخرجته عن المضمون الأساسي الذي وجد من أجله وهو أورج فقط لأداء دوره.

ويتابع الحسيني: في إحدى المرات كنت أنا والعندليب عبد الحليم حافظ في باريس وقد أعجبته آلة الأورج، ولم يكن يحمل ثمنها فقام ببيع ساعته ب25 ألف جنيه التي يساوي ثمنها الآن أكثر من مليون جنيه مقابل أن يشتري تلك الآلة، وقد وافقناه على ذلك لأننا نعلم قيمة الآلة الموسيقية في حياته، ولكننا الآن غاضبين لتحول تلك الآلة إلى آلة صاخبة وغابت عنها الأصوات الجميلة مثل صوت الكمنجة والقانون الحقيقي، ولفت أن بعض الفرق الآن تستعمل الآلة بدلاً من الآلة الطبيعية، وهو ما يعد تزويرا بواسطة التكنولوجيا، ومع ذلك لا نستطيع أن نعيد زمان الموسيقى الأصيلة.

أضاف الحسيني أن ما يحدث الآن نكسة ستظل معنا طالما نحن بعيدين عن هويتنا وتراثنا الأصيل، لأن العديد من الموسيقيين يعتقدون أن تركهم لهويتهم وتراثهم الأصيل ومسيرتهم لكل ما هو مستورد هو الذي سيذهب بهم إلى العالمية حتى وإن حدث ذلك فإن هذا الأمر لا يدوم طويلاً فقد يكون عمره أسابيع أو شهور قلائل.

كما نرى الآن، فنحن نسير في دائرة مفرغة حتى يأتي الوقت الذي تنقلب فيه الأمور وتعود إلى طبيعتها وأصالتها ونحن سائرون في هذا الاتجاه، والأمل الذي نعيشه أوجدته فينا دار الأوبرا المصرية حيث وجدنا أن أكثر شيء ناجح في هذا المكان هو الموسيقى العربية بفرق المايسترو سليم سحاب والمايسترو صلاح غباشي.

ويقول عازف القانون (عبده رياض) إنه مع دخول الآلات الكهربائية تراجع التخت الشرقي حتى أننا لم نعد نسمع عنه منذ أكثر من عشرين عاما، وقت أن أضيفت له الآلة الخامسة وهي الكمان والتشيللو والعزف عليها بطريقة النقر لتغطية مجال الأصوات الغليظة، وإضفاء الأثر الجميل على الإيقاع، الأمر الذي أدخلنا بعد ذلك إلى ما يسمى بالفرقة الموسيقية التي لابد لها أن ترافق المغني مع مجموعة المرددين، ومهمة الفرقة هي عزف المقدمة الموسيقية قبل الغناء وهو ما يطلقون عليه (الدولاب).

وتمهد إلى سيطرة المقام أي النغم الذي يبدأ منه الغناء، وترافق الفرقة المطرب أثناء عملية الغناء، وتعزف معه حتى تساعده وتزيد من تأثيره وقوة أدائه، كما أوجدت الفرق أشياء لم تكن موجودة في التخت مثل (اللزمات) الموسيقية التي تعزف منفردة في مناطق متعددة من اللحن لتكملة المعنى اللحني أو الموسيقي الذي يأتي بعد عبارة لحنية غنائية.

وعن التطور الذي صاحب التخت الشرقى يقول الدكتور حسن فكري مايسترو وقائد فرقة عيون مصر الموسيقية: الفرقة الموسيقية تطور طبيعي للتخت الشرقي مثل فرقة عبدالوهاب القديمة فكانت تتكون كنموذج صحيح للتخت الشرقي عبارة عن كمنجة وقانون وناي وعود وشيلو وآلة إيقاعية وكانت فرقة التخت الشرقي تتكون من خمسة أو ستة أفراد أساسيين فقط لا غير.

وبدأت الآلات الحديثة في الظهور على المسارح مع بدايات الثورة في حفلات عبدالحليم حافظ وأم كلثوم، مثل الفرقة الماسية والذهبية لصلاح عرام والجامعية لمصطفى عبدالحميد، وبدأت تظهر الفرقة الموسيقية الغنائية الفور إم »4«، وأنغام الشباب، وفرقة الحب والسلام.