ستون عاماً هي العمر الفني لعبدالقادر البدوي رائد المسرح الجماهيري في المغرب. ويأتي تكريمه في الدورة الجديدة لمهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي التي انطلقت في العاشر من شهر أكتوبر الجاري إلى جانب مجموعة من المخرجين والكتاب والنقاد المسرحيين العرب والعالميين.

وفي هذا الحوار، يتحدث الفنان البدوي حديث العارف المجرب عن المسرح المغربي، وإن بنبرة لا تخلو من التشاؤم بسبب ما يراه من تراجع حتى عن مستويات سنوات القرن الماضي. وفي ما يلي نص الحوار:أثرت أخيراً الكثير من الملاحظات الصارمة حول الوضع المسرحي في المغرب. هل هي تصفية حسابات أم ماذا؟التراجع الذي أتحدث عنه في الوضع المسرحي، يبدو كمفارقة بعدما أصبح له يوم وطني (14 مايو) كاعتراف رسمي من الدولة وأجهزتها، بما يوحي للبعض إن هذا المسرح يتقدم، بينما واقع الحال هو غير ذلك تماماً. إنني عندما أتحدث عن التراجع، أنطلق من الحرص على الأعراف والتقاليد المسرحية، من دون حسابات خاصة، ولأنني أتطلع إلى أن يكون مسرحنا قادراً على مخاطبة الرأي العام الفني، ومن خلاله كل الرأي العام في المغرب، مادام المسرح شأناً ثقافياً وفنياً مجتمعياً.

ما أسباب هذا التراجع؟

إن جوهر الإشكال هو هذا الهجوم الجارف لغير المحترفين على مجال الاحتراف المسرحي، وأرى أي مقاربة لحل الإشكال لا تضع في أولوياتها هذا المأزق الخطير تبقى مجرد محاولات تسكينية لن تجدي شيئاً في القضاء على المعوقات.

والمحترفون.. ألا يتحملون المسؤولية؟

إن مسؤولية بعض رجال المسرح عن الوضع، الذي آل إليه المسرح الاحترافي في العقد الأخير واردة بكل تأكيد، وكان ذلك نتيجة ظروف ومعطيات لا مجال للتفصيل فيها، لكنني أختصر لأقول ان على كل فنان مسرحي أن يضع مصلحة المسرح فوق مصلحة الأفراد والفرق، وأن يتوحد الفنانون لترجمة ذلك، حتى تكون هناك نهضة تواكب اعتراف الدولة بالفن المسرحي كأداة للتربية والتوعية وتحصين المواطن المغربي من الأفكار الظلامية التي لم تظهر إلا بعد أن تأخر المسرح وتخلف عن أداء دوره التربوي.

ما مدى تأثير هذا التراجع على واقع التواصل العربي ـ العربي اليوم؟

كنا نقدم المسرح في الجزائر وتونس وليبيا وحتى في فرنسا وبلجيكا، وكانت لنا علاقات مع الفنانين المسرحيين في هذه الدول، غير أن وزارة الثقافة حالت دون التواصل المطلوب، فلم تعد هناك مهرجانات مسرحية في المغرب.

لقد تراجع حتى التواصل في مجال التبادل الثقافي عموماً والمسرحي بالخصوص إذا ما قارناه بما تحقق في الستينات والسبعينات من تنقل الفرق المسرحية المغاربية في كل أقطار المغرب العربي، وإذا استثنينا حضور هذا العمل المسرحي من هنا أو هناك وتنقله من بلده إلى بلد عربي آخر، من خلال المناسبات التي تتيحها مهرجانات هي محدودة أصلاً، فإننا لا نكاد نجد فرصاً للتواصل.

تعرف بريادتك للمسرح الشعبي، هل يعني ذلك المسرح التجاري؟

جمهور المسرح ومنه الجمهور المغربي يبحث عن الفرجة في المسرح الجاد والاجتماعي، وليس المسرح التجاري الصرف الذي تتبناه فرق معينة، ويعتمد على الإضحاك من أجل الإضحاك.

عندما قررت في 1952 تأسيس فرقة مسرحية تضم مجموعة من الشباب، كنت قررت توديع الوظيفة والتفرغ للمسرح لإيماني العميق، بأن موظف الدولة حتى لو امتهن مهنة قريبة من المسرح، يبقى موظفاً همه الوحيد تنفيذ الأوامر، في حين أن الفنان المسرحي هو رجل فكر وإبداع ورسالة.

الفرقة قدمت جميع أنواع المسرح، وتناولت مواضيع عدة تهم العامل والطالب والمهاجر، ولم تغفل المسرح العالمي، إذ قدمت روائع موليير وتشيكوف وابسن وراسين، كل ذلك في زمن كان للثقافة فيه حضور متميز، لذلك، أعتبر المسرح الذي تتبناه الفرقة هادفاً وصادقاً في اهتمامه بالجمهور العريض من المشاهدين وليس النخبة فقط، مسرح يستدل في تجاربه على تعزيز وتعميق الوعي والنهل من كنوز الموروث المحلي والإنساني، مع الحفاظ على خصوصية تراعي الواقع الاجتماعي المغربي، إذ لا يمكن للمسرح في المغرب أو في أي دولة عربية أخرى، أن يكون صورة مكررة ومجترة عن المسرح الأميركي أو الأوروبي.

أنت تكتب وتمثل وتخرج وتدير فرقة مسرحية. أين تجد نفسك في هذا التنوع؟

لم أختر ذلك، وإنما كنت مضطراً للجمع بين كل هذه المسؤوليات لارتباطها برسالة وفكر. الفنان المسرحي في المغرب وربما في العالم العربي يجمع أيضاً بين هذه المسؤوليات، لأن هاجسه هو البحث عن الآلية التي على أساسها يخرج إلى الجمهور حتى يتحرر من المعوقات التي تحيط به من كل الجهات.

حين شرعت في الكتابة عن المسرح المغربي، كنت مضطراً نظراً لغياب النقد المسرحي أو حتى الالتفات إلى المسرح وتناول ما يعرضه إعلامياً، وقد استطعت، في تصوري المتواضع، أن أثير النقاش على الأقل حول وضع المسرح في المغرب.

وإن كنت لم التزم خطاً أكاديمياً، وإنما اعتمدت على تجربتي الشخصية، لأنني وجدت نفسي غير قادر على غلق باب التساؤل عن المسار المسرحي ورؤاه وتصوراته بعيداً عن التنظير، فقضية المسرح المغربي لا تكمن في ممارسة تنظيرية مقطوعة الصلة بما قبلها أو بعدها، فإذا توقف دور المتابعة كيف يمكن لنا تقييم المنجز الإبداعي المسرحي، خصوصاً وأنه يعتمد على الجهد الفردي؟

كيف ينظر الفنان البدوي إلى الجيل الجديد من المسرحيين؟

ليس دوري تقييم الآخرين. هذا الأمر موكول إلى الباحثين والنقاد والدارسين، لكنني كواحد من الممارسين والمهتمين بصنع العمل المسرحي استمتع بمشاهدة أعمال غيري من المبدعين، وقد عشت لحظات ممتعة في كثير من الأعمال المسرحية، كما تألمت لسقوط بعض الأعمال في الرداءة.

وهناك عدد من المخرجين الشباب الجيدين، لكن هناك أيضاً أعمالاً هابطة تروج لتبليد الفكر والتجهيل وهو أمر خطير ينبغي التصدي له ومقاومته، وإلا فإن خطره يكون مدمراً لكل ما يشكل أملاً في المستقبل الذي نسعى أن يكون أفضل مما نحن عليه اليوم.

الرباط ـ رضا الأعرجي