أنجز المغرب وعده مع إبداع الإمارات، شعراً وسينما وفناً تشكيلياً وصورة فوتوغرافية، عبر «أيام الثقافة الإماراتية في الرباط»، التي اختتمت قبل أيام قليلة، بعد جملة من الفعاليات أقيمت بجهد مشترك بين دائرة الثقافة والإعلام في عجمان واتحاد كتاب المغرب، حيث احتفلت قبيلة الكتاب والمبدعين من البلدين الشقيقين، بعرس الكلمة وبهاء اللون على إيقاع الموسيقى الأندلسية، وهي تجمع الماضي بالحاضر في لحظة عربية نادرة.
ومثلما أراد المنظمون، كانت «أيام الثقافة الإماراتية» فرصة للاطلاع والبحث والمعرفة بالناس والمكان، وقد خرج من حضرها من الجمهور المغربي، بانطباعات إيجابية عن مستوى ما قدم فيها من عروض عن راهن الحركة الثقافية في الإمارات، والأحرى عن حراك ثقافي غير مسبوق ليس في الخليج فقط بل على المستوى العربي.وفي متابعة لفعاليات الأيام الثقافية الإماراتية، رصدنا آراء المنظمين والمشاركين فيها، وسجلنا الحصيلة التالية:يقول إبراهيم سعيد الظاهري مدير عام دائرة الثقافة والإعلام في عجمان «إن الإمارات التي تشهد اليوم نهضة اقتصادية، تشهد أيضاً في الجانب الثقافي نهضة تتسم بالتنوع، لذلك حرصنا على تعريف الأشقاء المغاربة على الراهن الشعري والمنجز السردي وعلى التجربة السينمائية الإماراتية، كما حرصنا أن تكون المشاركة الإماراتية ممثلة للمشهد الثقافي الإماراتي وليس إمارة عجمان وحدها، إضافة إلى فسح المجال أمام التجارب الإبداعية الواعدة».
ويضيف الظاهري قائلاً: «إن العمل الثقافي لا يحتمل المجاملة، وقد أردنا عرض ثقافتنا بحثاً عن الاختلاف، ولكي نتجنب المديح المبتذل، وكل ما هو سائد في الكثير من المهرجانات واللقاءات العربية، لأن ما يبقينا على خارطة الثقافة العربية، هو ما يبقى للتاريخ، فما دخلت المجاملة عملاً إلا وأفسدته».
ويعتبر الظاهري إقامة هذه الأيام الثقافية «مناسبة استثنائية وفريدة من نوعها»، كما يعتبر الحركة الثقافية المغربية «نموذجاً متميزاً في تقديم مفهوم حضاري للثقافة العربية، كونها وريثة حضارة الأندلس والجامعة لطرفي العملية الثقافية في مشرق الوطن العربي ومغربه». أما أسباب اختيار المغرب ليكون محطة انطلاق للتعريف بالحركة الثقافية الإماراتية، فيعزوها الظاهري إلى الحيوية التي يتمتع بها المشهد الثقافي المغربي.
وهو يرى «ان المغرب هو الآخر يشهد حراكاً ثقافياً نتيجة قربه من أوروبا وانفتاحه على مختلف الثقافات». ويختم الظاهري حديثه بالقول: «كان لدينا توجه للمساهمة في الشأن الثقافي في الإمارات من خلال التعاون مع مؤسسات ثقافية عربية، وكانت البداية في شهر يناير من العام الجاري، حين جرى التوقيع على اتفاقية مع اتحاد كتاب المغرب، نظراً لخصوصيته واستقلاليته واستيعابه لجميع الأسماء المهمة من الأدباء والمثقفين المغاربة».
من جهته، أعرب عبدالحميد عقار رئيس اتحاد كتاب المغرب عن اعتزازه بهذه الاتفاقية التي أثمرت الأيام الثقافية الإماراتية، وقال: «نحن نحرص على تنفيذها وإغنائها دوماً ببرامج ثقافية وتواصلية تحقق على أكمل وجه مبتغياتها وأهدافها النبيلة والبعيدة المدى، كما نعول عليها في تعزيز التواصل الثقافي بين الكتاب والمثقفين والمبدعين في المغرب والإمارات العربية المتحدة».
وشدد عقار على ضرورة تقوية التواصل الثقافي والإبداعي بين المشرق والمغرب، وأوضح ذلك بالقول: «إن كلاً من المشهدين الثقافيين والإبداعيين المغربي والإماراتي يتميزان بالتشبث بالجذور ولكن مع التفتح والتطلع إلى ما هو إنساني، وبإمكان المشهدين بموقعيهما المرموقين أن يسهما في تلقيح الثقافة العربية بأسئلة وتطلعات جديدة وبأفكار مغايرة ينتجها السياق الحيوي والمتطور للبلدين».
الرغبة ذاتها في التواصل، عبرت عنها الشاعرة صالحة غباش بالقول: «كانت المشاركة الإماراتية في هذه الأيام الثقافية مهمة، لكنها ليست كافية بالنسبة لبلد مثل المغرب ومبدعين مثل المبدعين المغاربة، ففي سبيل أن يظل صوت الكاتب والمثقف ممتداً في الزمان والمكان، لابد من تعزيز أواصر العلاقة بين المبدعين والمسكونين بهاجس النهوض بالشأن الثقافي، ومد مزيد من الجسور بين المشرق والمغرب بالثقافة وعبرها، وبالاستحضار الدائم لتجارب الكتابة الجديدة».
أما الشاعر إبراهيم محمد إبراهيم فيأمل أن تكون الأيام الثقافية الإماراتية خطوة على طريق التواصل بين مبدعي الإمارات والمغرب، وهو يرى أن أية تجربة إبداعية لا يمكن لها أن تنجح من دون الاقتراب منها والانفتاح عليها، فيما يعتبر مشاركته شخصياً إغناءً لتجربته الشعرية بالقدر الذي فتحت فيه باب التساؤل من جديد حول الذات والشعر والحداثة.
وكانت الأيام الثقافية الإماراتية قد افتتحت بثلاث مداخلات لكل من الدكتور سعيد علوش أستاذ الأدب المقارن في كلية العلوم الإنسانية في الرباط الذي تحدث عن المشهد الأدبي في الإمارات، وما تشهده الدولة من ثورة ثقافية حقيقية، والناقد والباحث الجامعي نجيب العوفي الذي تناول القصة الإماراتية القصيرة، من خلال رصد أصوات نسوية رائدة في هذا المجال، والشاعر المغربي عبدالحق المفراني الذي قدم عرضاً عن الملامح العامة للتجربة الشعرية الجديدة في الدولة، معتبراً إياها تجربة عرفت تطوراً ملحوظاً منذ عقد السبعينات.
وشاركت في جلسة الافتتاح الشاعرة صالحة غباش بمداخلة عن الشعر الإماراتي منذ ظهوره في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، على يد مجموعة كانت تسمى بشعراء الحيرة، من بينهم الشاعر سلطان العويس إلى جانب أحمد محمد مدني الذي يعد رائداً في هذا المجال.
وأعقبت ذلك ندوة في موضوع «المشهد التشكيلي والتصوير الفوتوغرافي شارك فيها سعيد الشامسي بمداخلة حول «تجربة التصوير الفوتوغرافي بالإمارات» والشاعر والإعلامي المغربي حكيم عنكر حول «المشهد التشكيلي بالإمارات منذ أوائل الثمانينات حتى الآن». وأثناء ذلك جرى عرض صور التقطها بعض الرحالة الأجانب للإمارات العربية في ثلاثينات وأربعينات القرن الماضي قبل ظهور النفط.
بعد ذلك جرى تكريم الكاتب والمفكر المغربي عبدالكريم غلاب بمشاركة الأديب المغربي حسن بحراوي والصحافي ووزير الإعلام المغربي الأسبق محمد العربي المساري اللذين تحدثا عن التجربة الأدبية للمفكر ودوره التأسيسي في تطوير التعليم والأدب والكتابة والقصة والرواية والرحلة.
وقبل إسدال الستار على الأيام الثقافية الإماراتية، افتتح معرض التصوير الفوتوغرافي الإماراتي «الكلمة والصورة» الذي شارك فيه 14 مصوراً فوتوغرافياً، تنوعت أعمالهم بين الطابع الرمزي والتراثي والفني.
الرباط ـ رضا الأعرجي

