تعرض الرسامة اللبنانية هدى بعلبكي مجموعة كبيرة من لوحاتها الفنية في صالة «كورتيارد أند كافيه» الكائنة في منطقة القوز بدبي، وهناك تحدثت هدى عن أعمالها الفنية التي تشيع فيها أجواء الفرح، فقالت: «بدأت مشواري الفني صغيرة، ولكن على إثر حادث مأساوي تمثل بوفاة جدي، شعرت بضيق شديد ورغبة جامحة في التعبير عما يختلج في نفسي من مشاعر حزينة.

وبصورة تلقائية بدأت الرسم، وبعد ذلك اتخذت مسيرتي الفنية بعداً جديداً عندما اكتشف عمي لوحاتي، وهو فنان قدير، وخاطبني قائلاً: «هل تعلمين أن لوحاتك أفضل من كثيرين ممن يتعلمون في مرحلة الدبلوم لدي. وكان لهذا التشجيع أعظم الأثر في التقدم للالتحاق بكلية الفنون الجميلة والتصميم في الجامعة اللبنانية، وتخرجت منها بعد أربع سنوات».

وترى بعلبكي أن مسألة التعلم بالنسبة للفنان مسألة جوهرية، فهي تثري أعماله وتبلور شخصيته الفنية، وهي تساعد في صقل الموهبة وإرشاد الفنان إلى طرق الفن ومدارسه. وتشير إلى أن الثقافة والعلم من المداميك الرئيسة لصقل الموهبة وترسيخ قدمي الفنان على أرضية صلبة ولا غنى عنها، وتعتبر أنها مكمل رئيسي لأية موهبة. خلال جلسة في فناء الصالة، تركنا الفنانة هدى بعلبكي تسترسل في الحديث عن تجربتها الفنية ورؤاها الفلسفية للفن والحياة:

بدايات : «في بدايات حياتي، مارست مهنة تدريس الأطفال اللغة العربية، وكنت أطلب إلى التلاميذ الرسم، فضلا عن الواجبات المدرسية العادية، وأذهلني أن بعض التلاميذ يمتلك موهبة رسم أفضل من طلبة يدرسون في معاهد الفنون العليا. واستفدت من التلاميذ، على حداثة سنهم، واستقيت منهم مفرداتهم وشعرت أنها تحمل الكثير من المعاني اللماحة، التي يمكن الاستفادة منها في إيصال الكثير من المعاني».

محفزات

«منذ نعومة أظفاري عشقت الفن، وسرى في جسدي كالدماء في عروقي. إلا أنني حظيت بتشجيع الأصدقاء والأساتذة. وخلال سنوات الدراسة كنت متفوقة وناجحة ودرست في كليات عدة أهمها كلية الفنون الجميلة والتصميم في بيروت، وحصلت أيضا على شهادتي العلوم والتجارة».

مؤثرات

«في السنوات الأولى لتجربتي، كنت أتخبط فعلاً لأنني لم أكن أعرف كيف سأخرج إلى عالمي الفني الجديد، وشعرت باليأس، ولكن تأكد لي أن الأمل هو أهم من اليأس، وشعرت بضرورة تبني نزعات فيها أمل كبير لأن الأمل في اعتقادي، يعني الاستمرار، وقد اخترت الأمل لأنه نقيض اليأس والموت اللذين أرفضهما».

رسالة

«رسالتي إلى الآخر هي ضرورة التريث ورفض العنف بكل صوره ونبذ الكراهية على أسس الهوية والعرق والنزعة الطائفية.طالما لدينا العقل والحكمة، فلماذا نصطدم بالآخرين، ولماذا نسلك دروباً سلبية. فالتفاهم أفضل من التصادم. ويا ليتني أتمكن من مخاطبة جميع اللبنانيين كي أحملهم على التفاهم، وتقبل كل طرف للآخر.

ولكنني لست سياسية حتى أقوم بهذا الدرب، وأرى أن المشاحنات والتقاتل هي طاقة سلبية حيوانية، وهي تأتي خلافاً للرسالة الإنسانية التي تدعو إلى المبادئ السامية، وعدم الانجرار إلى التعاطي مع الأفكار السلبية. إنني أسعى بكل جهدي لحث الناس على فتح عقولهم، ولاشك أن الجميع يعلمون أن الطائفية هي درب الهلاك. ولذلك من الملح جداً أن نمارس إنسانيتنا من خلال التعامل مع الآخر بعدالة».

التزام

«لوحاتي تعبير حقيقي عن الالتزام بقضايا إنسانية ودعوة للتعايش السلمي بين الناس أصحاب الوطن الواحد. وكذلك التناغم والتعايش مع الطبيعة، وأنا مجبرة على ذلك، وإلا لن أكون إنسانة حقيقية، متكاملة بصورتها الإنسانية».

المستوى الفني

«أشعر برضا كامل عن نفسي، وأقارنها دائماً بالآخرين لأجد نفسي متميزة، ولذلك أحتل مكانة طيبة بين الفنانين في بلدي لبنان. وأرى أن التقدم بالعمر يثري التجربة الإنسانية عند الفنان، ويساهم في تطوير قدراته. وإلا ما الفائدة من التجربة في الحياة التي تكفل لك التعلم والتطور أكثر فأكثر مع مرور كل يوم.

وهنا لا يمكن أن يجمد الإنسان تجربته، مراوحاً مكانه، وفي الوقت ذاته، يقول إن مستواه قد اكتمل. ولعل الدراسة الأكاديمية مهمة لأنها تثير التجربة التقنية عند الفنان، وتجعله قادراً على التحكم بأسلوبه والإطلاع على أساليب الفن المختلفة. وهو ما يجعل شخصية الفنان أكثر نضوجاً».

اللون مصدر إلهام

«على الفنان أن يجلس ويطلق حواراً بينه وبين اللون، فاللون حساس جداً وفيه شفافية، وهو يمثل مرآة حقيقية، وهناك فئة من الفنانين لا يدركون بعد أهمية اللون في التعاطي مع القضايا الفنية المختلفة. فاللون كلما أعطيته قدراً من جهدك أكبر كلما كان عطاؤه أفضل .

فاللون أحبه وأختبره لأنه مرآتي في اللوحة. ألواني في لوحاتي تعكس رسالة متفائلة مقابل العذاب الذي عشناه في لبنان في السنوات الأخيرة. لقد أغلقت التلفاز وتفرغت تماماً لأعمالي الفنية.

وكان كل ما أريده من العالم في تلك الفترة أن أعيش منسجمة مع ذاتي والآخر، لأطل على العالم من نافذة صورها جميلة، وأتمنى كل ما هو جميل لنفسي وللوطن والناس، لأنني لم أعش الفرح في حياتي، والرسم بالنسبة لي هو نوع من التعويض النفسي».

رؤية

«في هذا المعرض فرضت رؤية فرح، ووضعت الطريقة التي أرى من خلالها العالم وفق منظور جميل. ورغم أنه أسلوب بسيط لكنه يعكس الكثير من السعادة والفرح.. هذه هي رؤيتي».

المستقبل

«لدي في لبنان صالة وسأعمل على وضع اللمسات الأخيرة عليها. هو محترفي أعمل به حيثما أشاء وأنا نشطة جدا، وخلال عام كامل لم أعرف الراحة، وعملت ليل نهار.. أعشق فني وأكرس له نفسي بالكامل. ولقد تعلمت منذ بداياتي التغلب على الحزن وتعلمت ابتكار الفرح والتعايش معه وإقناع الآخرين به، ونبذ الاكتئاب والحزن».

الأمومة

«لاشك بأنني أشتاق لحالة الأمومة، ولكن ليست الحياة محصورة في نطاق عاطفي واحد، فالحب على سبيل المثال يوجد في كل الأشياء من حولنا، وليس محصورا في عاطفة محددة . والأمومة هي من ضمن المشاعر الكثيرة التي يعيشها الإنسان، ولا يعني عدم وجود الأمومة انسحاب كل العاطفة من حياة الإنسان».

الجسد

«للجسد دور كبير في حياة الفنان، فهو قيمة جمالية عالية، فالإغريق قدسوا الجسد ومنحوه مكانة خاصة في تماثيلهم وأعمالهم الجمالية من نحت وغيره . لقد خلق الله آدم وحواء عاريين، ولكن عندما أكلا التفاحة وخالفا الأوامر الإلهية بالبعد عن الشجرة أخذا يقطفان ورق الشجر لتغطية عورتيهما وأرى أن الجسد ليس عيباً، ولكن أرى في الحشمة قيمة جمالية وضرورية خاصة للمرأة وأنا أؤمن بالحشمة لأنني أحترم العرف والتقاليد في بلدي، وغير ذلك خروج عن الحقيقة».

تأثر

خلال بداياتي، تأثرت بأساتذة كبار أمثال شفيق عبود ومعلمتي في الجامعة فاطمة الحاج وفاتح المدرس. لقد أحببت أعمالهما الفنية وكما جذبتني أعمال بعض الفنانين الفلسطينيين والعرب . ولكنني مع ذلك لم أكن مقلدة، بل آمنت بالاستثناء والتفرد بالعمل وبتقديم بصمات تعكس فرادة الذات والاختلاف عن الآخرين عن طريق الجهد والعرق. وأميل إلى تطوير نفسي من أجل بناء أسلوبي الخاص وأحمد الله أنني نجحت في بناء أسلوبي.

لقمة العيش

هناك معضلة حول هذه المسألة ينبغي أن تفهم جيداً، فالفنان إنسان يدفع بسخاء لتنفيذ أعماله ويستثمر في ذلك ماله ووقته، ولعل أهم ما يسعى إليه الفنان ويتوق له هو سماع كلمة إطراء أو إشادة بأعماله، فعبارة «هذه اللوحة جميلة» تكفي وأشعر بذلك أن لوحتي بيعت.

كما ينبغي أن تتوفر للفنان إمكانات حتى ينجح ويستمر في العيش الكريم، فهو إنسان يبدع وله رسالة حضارية يريد أن يوصلها، وهو مساهم حقيقي في نهضة عالمه وبلده على نحو خاص. ولذلك ليس عيبا أن يسعى للعيش من وراء بيع لوحاته التي يرسمها حتى يراها أو يقتنيها الجميع».

سيرة ذاتية

بدأت هدى بعلبكي مسيرتها الفنية منذ الطفولة، وشجعها على ذلك عمها الفنان عبد الحميد بعلبكي أيضا وشكلت وفاة جدها مفصلا مهماً في حياتها، فما عجزت عن التعبير عنها بالكلمات والمشاعر، وهذا الأمر انعكس على لوحاتها إيجاباً في صورة فرح وألوان مضيئة تمحو دمعة الحزن من وجوه المرهقين والمكلومين. وهي فنانة مثقفة وملتزمة بقضايا الوطن والناس وحاصلة على عدد من الشهادات الجامعية وأولها ليسانس في الفن والتصميم.

دبي ـ محمد نبيل سبرطلي