حرص المخرج السوري ريمون بطرس في معركته السينمائية الجديدة التي قدمها في فيلم بعنوان «حسيبة» على تصور فني جديد ينتمي لمشروعه الذي بدأه فور عودته من دراسته السينمائية من موسكو عام 1976، محققا فيلمه الروائي الأول «المؤامرة مستمرة» بعد ثلاثة عشر عاما على تخرجه..!
والذي ألحقه عام 1991 بفيلم «الطحالب» الذي قدمه بقوة كأحد مخرجي الدراما الواقعية في السينما السورية، وانتقل لاحقا لتقديم الفيلم الروائي الطويل «الترحال» عام 1997 إلى أن انتهى قبل فترة قصيرة من تقديم فيلمه الذي نحن بصدده الآن «حسيبة» يتناول فيلم «حسيبة» الذي صفق له الحضور فور الانتهاء من عرضه في الصالة الرئيسية في فندق قصر الإمارات بأبوظبي، سيرة عدد من النساء الدمشقيات خلال الفترة بين (1927 و1950)، حيث يسلط الضوء على التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي شهدتها سوريا في تلك الفترة.
كما يلقي الضوء على الرغبة التي تملكها بعض النساء في تغيير الواقع والمفاهيم وبعض التقاليد الاجتماعية عبر كسرهن التابو الذكوري في العمل والأسرة والمجتمع وكل هذا في فضاء معمار روائي ذهبي حققه الروائي خيري الذهبي الذي قدم هذه الرواية ضمن التحولات التي قدمها في بعض أعماله الروائي يسجل للمخرج نقطة ثمينة باعتماده على النجمة سلاف فواخرجي لأداء دور حسيبة في الفيلم وفق ثلاث مراحل رئيسية تنتمي إلى ثلاث أجيال على الأقل خضعت فيه كممثلة وكشخصية لمتطلبات كل مرحلة على انفراد بحيث صار حضورها معيارا زمنيا في لعبة التحولات الاجتماعية والإنسانية التي خضعت لها .
ينام العرض على ذكريات دفينة وعلى تعرجات في خطوط العمر يمسكها ريمون بطرس من عالم الرواية ويدفعها باتجاه عالم الصورة حيث لا يمكن للمرء أن يتجاهل رغبات مجهولة تجعل من الفيلم حكاية للرغبات المكبوتة، فلا فلسطين تعود رغم كل الجهود التي بذلت لاحتواء الأزمة من قبل أشخاص طيبين كانوا يظنون ان القدس تحتاج إلى حصان وسيف وبعض الشجاعة فوجدوا أن المؤامرة أكبر منهم ومن أحلامهم وخرجوا من دائرة الحياة تباعا وقد خسرت دمشق الكثيرين في هذه المعركة التي أعادت سيرة حياة دونكيشوت إنما على ارض أخرى وفي زمان آخر، وينسحب خط فلسطين على معظم مراحل العمل ليلون (الحدث - القضية) بألوان اليأس والانكسار ولتكون حالة الانكسار جزءا لا يتجزأ من حالة انكسار وطنية عامة.
وبدورها الأم الشابة لم يعرف النوم طريقا لعينيها وهي تتلمس بقايا جسد يشتهي من عشقته ابنتها ، فتصارع الحب والرغبة من جهة وابنتها من جهة أخرى وتضطر في مشوار العمر لان تستسلم مرة ثانية فلا شيء يمكن ان تفعله خلاف هذا، ويبقى عالقا من الفيلم مشهد ساحر تتحسس فيه الأم بقايا من طعم ملعقة كانت في فم زوج ابنتها.
فيما تشتم ثيابه الوسخة وتنهي هذه السلسلة من الأفعال التي ترتكب في الظل ، ظل الأنثى، بشرب ما تبقى من كأس الماء الذي لامسته شفتاها، وتتوالى الأحداث وتدرك أن حفيدها يهرب السلاح وابنتها تفقد عقلها وأنوثتها بعد أن ابتلعت فلسطين زوجها وكانت قبل ذلك ابتلعت جدها.
ووجدت نفسها تحمّل والدتها ذنبا كبيرا وهي تعرف في قرارة نفسها ان أمها كانت مغرمة ولكنها تصب جام غضبها عليها لأنها وافقتها على تركه يرحل ، وعلى حد قولها «من لا يعرف إدارة دكان صغير فهل يستطيع أن يخوض حربا»!
معارك كثيرة وتفاصيل مدهشة في عالم من الخيال الذي يجعل من فيلم بطرس الأخير سيرة حافلة بالشقاء والحب والمعاناة، ونعتقد ان الفنانة سلاف فواخرجي قدمت في هذا العمل خلاصة تجربتها الفنية كاملة عبر شخصية بثلاث وجوه.. وجه الطفولة.. ووجه الحب ووجه الوطن الذي يختزن كل صفحات الفرح والخيبة والانكسارات الكبيرة.
أبوظبي - جمال آدم



