من أجمل تضاريس الثقافة الشعبية وأكثرها عمقاً، ساعة رمل تفرغ لوحاتها لوحة لوحة على مسارح الأمسيات، ما أن تبدأ عرضها حتى تتعالى اللغة المحقونة بالقمح، فتمد جذورها في تراب الاشتقاق.

(كانت منذ البدء فكرة، ولو كانت مجرد فرقة لانتهت)، كما يعبر محمد سعادة صالح مؤسس فرقة الحنونة ومؤلف عروضها والباحث الأبرز في ينابيع التاريخ البعيد عن خميرة لوحاتها، التي تسحب الحاضرين شيئاً فشيئاً من مفاعيل الدهشة إلى حنايا الوعي، عبر تضاريس فنية يؤديها مبدعون آمنوا بالفكرة حتى سكنتهم، وتمثلوا روحها على شكل حلم لا يشترك غير حراس حقوله الأصلية في اقتباس نوره وتأجيج ناره.من المؤكد أن أداء بهذا المستوى لا يمكن أن يصدر عن هواة عابرين، بل عن تجربة عميقة تضيء على طقوس الزفاف، واحتفاليات الحصاد، والدار، واستقبال العائدين ، والحلم، وزمن النعمان، والزير سالم، وهي من أبرز الفقرات التي تعرضها الفرقة وهو أمر لمسناه حين التقينا محمد سعادة صالح في الحوار التالي:

متى بدأت فكرة إنشاء فكرة «الحنونة»؟

اختمرت الفكرة في الكويت، وكانت لنا نشاطات مسرحية عديدة، استنتجت منها ان الفقرات التي تستلهم الثقافة الشعبية هي الأكثر لفتاً وتأثيراً في الجمهور. وأحب أن أستعمل دوماً تعبير الثقافة الشعبية بدلاً من التراث أو الفلكلور، لأن الثقافة الشعبية هي الحاضن الرئيسي لكل عناصر الهوية الوطنية، والتي تشتمل على منظومة واسعة من القيم والعناصر، والمكونات وحتى التفاصيل من تقاليد الطعام إلى الزي وطقوس الزواج والزراعة.

وكان حافزنا الأبرز ولا يزال يتمثل في تحصين الوعي العام بحقوقنا التاريخية في أرضنا، بشكل نستلهم فيه روح الثقافة الشعبية، ونعيش المعاصرة بالمزاوجة بين عاملي الأصالة والجمال.

لكن كيف استطاعت الفرقة أن تلم بكل هذا المساحة من التفاصيل واللوحات التي تحاكي تفاصيل حياة لم تعد قائمة؟

مرت فترة قبل انطلاقة الفرقة كانت مخصصة للبحث والدراسات المعمقة، وقد تدهش لو قلت لك إن لدينا ما يزيد عن 3 آلاف ساعة من المقابلات المباشرة، مع الجيل الذي عاش تلك الثقافة قبل النكبة. إلى جانب آلاف الصفحات من الدراسات والأبحاث التي شرعنا بإجرائها، وغطت عصور ما قبل الميلاد. والحقيقة الجديرة بالذكر في هذا السياق أن كافة لوحات الفرقة لا تغطي 1% من تلك الذخيرة.

يلاحظ المتتبع لعروض الفرقة أن لوحاتها تقدم باحتراف، وتعكس قدرات استثنائية لدى كوادرها، إلى ما تعزو ذلك؟

إلى الإيمان العميق لدى الشباب والصبايا بما يقدمونه من أعمال، ومن يحتك بهم عن قرب يلاحظ أنهم ليسوا مجرد مؤدين بل مسكونين بما يتدربون عليه من فقرات، إلى درجة انهم في حياتهم العادية يستلهمون فنهم ويعيشونه.

أضف إلى ذلك أن الفرقة تعاونت في أكثر من مرحلة مع مخرجين محترفين، منهم فتحي عبد الرحمن، وخالد الطريفي والمرحوم غازي الشرقاوي وصالح العسلي والموسيقي المبدع ماهر تشطة. ومنذ فترة أصبح شباب الفرقة أنفسهم يشتركون في إخراج فقراتهم. والذين يقودون «الحنونة» الان هم أبناء التجربة، واستقلالية الفكرة ابرز التحديات التي تواجهها.

من خلال تجارب العديد من الفرق المشابهة، يلاحظ أنها بشكل عام كانت قصيرة النفس، وسرعان ما انطفأت، كيف استطاعت (الحنونة) أن تصمد طيلة هذه السنوات، ما الذي تخاف على الفرقة منه؟

«الحنونة» قدمت صيغة من التوافق بين كافة عناصر الثقافة الشعبية ومكوناتها، فهي ليست مجرد دبكة، ولا عمليات اجترار لتعبيرات فلكلورية، انها استلهام لحياة بكاملها، هذا على مستوى الأداء، أما على مستوى التحقق، فالحنونة لم ترتهن مالياً لأحد، والإيمان العالي بالمشروع من قبل كل من اشتركوا به، كما أنها على صعيد سلوكها العام ودلالات فقراتها، قد تجنبت الاصطدام مع أية جهة قدر الإمكان، عبر تجنب المباشرة والاهتمام بالمضمون.

أما فيما يتعلق بالشق الثاني من السؤال، فالذين يقودون التجربة الآن هم أبناء التجربة، فلا قلق عليها من أن يصيبها، ما أصاب تجارب الآخرين حين اختلف المؤسسون فأضاعوا التجربة. ما نخشاه فعلاً هو التحديات التي تفرضها استقلالية الفرقة مالياً، لا سيما وأننا تلقينا عروضاً عديدة من جهات أجنبية للتمويل ورفضناها.

من البديهي أن كل فكرة تتحقق تتوافق مع أفكار، وتتصارع مع أخرى، ما الذي تعتبره الفرقة نقيضها؟ التغريب والغزو الثقافي ومحاولات المحو والتشويه والطمس فالشعب الذي صارعه عدوه عبر نفي وجوده أصلاً لديه حساسية خاصة، تجاه كل تفصيل من تفاصيل وجوده.

ليست القلاع والحجارة والبيوت هي الدليل الوحيد على وجودنا، بل طريقتنا في اعداد الموائد ، والغناء للشتاء، واستقبال ووداع المواسم، والاحتفال بالميلاد، وطقوس الموت والزراعة، ولا أكشف سراً لو قلت لك إن الحنونة دخلت في جدل وصراع إلى حد ما مع الفرق التي اتخذت من التغريب نهجاً، بذريعة مجاراة العصر والكلام بمفرداته، فانزلقت إلى ترويج حياة الآخرين وأفكارهم على حساب شعبنا وأفكارنا.

وصارت كالغراب الذي أراد أن يصير حمامة فلا صار حمامة ولا عاد غراباً. في ضوء ما يتنامى من حديث عن ضحالة الجيل الصاعد وسطحيته، يلاحظ ان «الحنونة» حرصت على تجديد دمائها، فصارت لديها فقرات بالكامل يؤديها الأطفال، فما الرسالة من وراء ذلك؟

أولا أنا لا أوافق على مقولة أن الجيل الحالي سيء ، بل بالعكس أرى أنه أكثر صلابة وإدراكاً لماهيته منا، علينا أن نعرف أولاً أن هناك حس عام بمحاولة تهميش الثقافة الشعبية، وضرب اسسها من خلال طروحات ملتبسة تحاول أن تواري نفسها وراء عناوين براقة، لكنها هشة.

من هنا كان التزامنا بحراسة الثقافة الشعبية والذاكرة الجمعية التي تشكل تلك الثقافة حاضنتها ومجالها الطبيعي، أما الأفكار الوافدة فقد تعكس نفسها على بعض الشباب في مرحلة عمرية معينة، لكنها تزول لأنها بلا جذور ، وسرعان ما يدرك الشاب أو الفتاة منظومة الحقائق التي تصيغ وجوده.

وطبيعة الدور الذي ينبغي أن يحمل رايته، و«الحنونة» على هذا الصعيد كانت معنية دوما بالبعد عن الصيغ الجامدة والمنفرة والمتخفية في تقديم الثقافة الشعبية، فالذي يسجل للحنونة أنها قد تحولت من فرقة إلى اطار اجتماعي أوسع، حتى صار يمكن أن توصف الحنونة بالعائلة الكبيرة، وهو أمر أتاح للحنونة أن تفتح مجال التدريب للراغبين بصرف النظر عن أعمارهم .

مع وجود الكادر الذي يتجاوز المئة، كيف تتمكن (الحنونة) من حل اشكالات التكنيك، والتكيف مع اماكن العرض المختلفة؟

«الحنونة» تستطيع ان تعرض في كل الأماكن، بصرف النظر عن مساحتها أو إمكاناتها ، والأسلوب العلمي المدروس الذي يتم إعداد الفقرات من خلاله، أتاح للفرقة أن تقدم مقولة اللوحة بعدد أقل أو أكثر من دون أن يتأثر المضمون.

عمان ـ محمد أبو رحمة