دعا الفنان التشكيلي الهولندي ـ العراقي الأصل ـ حسن عبود إلى إقامة «بينالي» يجمع كل الفنانين التشكيليين في العراق والعالم، مؤكداً أنه سيكون الأضخم والأهم على مستوى العالم، وأن عدد الفنانيين التشكيليين العراقيين البارزين يفوق بكثير عدد نظرائهم في بلدان كبرى ـ كالولايات المتحدة مثلا ـ.

وأضاف التشكيلي العراقي أن ما بين 300- 400 فنان تشكيلي عراقي بارز وذي تجربة كبيرة يعيشون منذ أيام النظام السابق في المنافي المتفرقة، وأن هناك آلافاً من الفنانين العراقيين الآخرين بمستويات وتجارب مختلفة يغطون جميع أجزاء المعمورة وأضاف: «إن أعداد الفنانين التشكيليين العراقيين المشتتين في أنحاء العالم تفوق أعداد جميع الفنانين في دول كبرى وذات عراقة في الفن، ويعود ذلك لموهبة الإنسان العراقية وذائقته الفنية، وتاريخه في هذا المجال، ولو أتيح إقامة مثل هذا البينالي فسيكون الأضخم في تاريخ البشرية».

كما دعا حسن عبود ـ بعد افتتاح معرضه في قاعة «قباب» للفنون في أبوظبي ـ دعا إلى إقامة جسر من المصالحة الثقافية العراقية على غرار المصالحة السياسية، معترفاً في الوقت ذاته بأن الثقافة العراقية والمثقف العراقي بجميع تنوعاته ككاتب وفنان وأديب وشاعر قد تم استغلاله من قبل النظام الشمولي البائد الذي قام بمسخ شخصية المثقف العراقي وتشتيت ذهنه وثقافته باتجاهات متخلفة، وأن الوقت قد حان لإجراء مراجعة متكاملة للثقافة العراقية وتوحيد كلمة الفنانين والأدباء تحت راية واحدة هي راية «الوطن» وليس تحت راية أحزاب وتيارات كما كان يحدث في السابق، لأن التيارات زائلة والوطن باقٍ كالعنقاء التي تقوم من تحت الرماد، على حد تعبيره.

حول ما تركته فيه الغربة من آثار سلبية وإيجابية يقول حسن عبود: «المعتمق والمتابع للتغريبة العراقية ـ والتي أعتقد أنها الأشد ألماً ومرارة في جميع تغريبات الإنسانية ـ يجد أنها تتجه باتجاهين حقيقيين ليس فيهما من الزيف شيء مقارنة بآخرين؛ الأول يرى العراق كوطن وأرض وتاريخ وحضارة وثراء مادي ومعنوي، بلد تكاملت فيه الحياة حتى وصلت إلى درجة الكمال الإنساني.

فكيف بك كإنسان عراقي وأنت كنخلة ضربت جذورها عميقاً في الأرض، وأنت ترى نفسك وقد اقتلعت عن هذه الجنة الأرضية التي لا تشابهها أرض في العالم، والاتجاه الآخر يرى العراق؛ ذلك البلد الذي يحكمه الطغاة والجبابرة طيلة قرون من الزمن محولين تلك الجنة إلى جحيم لا يطاق.

وهذا ما حدث لي كفنان وحدث لآلاف بل ملايين من العراقيين الذين غادروا وطنهم مرغمين، فقد أضافت لي الغربة كفنان رؤية جديدة لتجربتي الفنية واطلعت على تقنيات حديثة، كما أضافت لي على المستوى الإنساني الاستقرار الذهني والنفسي وأعادت لي إنسانيتي التي سلبتها الإنظمة القمعية مني في العراق».

يضيف حسن عبود: «أقولها بفخر أنني حملت أدواتي وتجربتي الفنية متكاملة إلى ديار المنفى ولم أصل هناك خالي الوفاض، بل حملت جميع فنون العراق معي، فأعمالي وأعمال كل فنان عراقي أصيل هي امتداد لفنون سومر وبابل، وخبزي كان ذاكرتي -شعائر كربلاء مدينتي، أزقة بغداد الحنونة، شناشيل البصرة، مقهى حسن عجمي وشارع الرشيد والحيدرخانه.

وعشرات من مفردات الذاكرة الفسيفسائية التي لم أجد لها نظيرا في العالم أجمع ـ فكانت الألوان وخصوصاً الأخضر جزءاً من زاد ركوة «الحلاج» المليئة بالأسرار التي حملتها من وطني، ومع الأسف فأن هذه الذاكرة بدأت تتشظى شيئاً فشيئاً مع دوامة الموت التي تدور في العراق، وحلّ محل بعض تلك الذاكرة مشاريع حزن أزلي وألم لا يفارقني، إلا أن الأمل بمستقبل أجمل لأجيال العراق القادمة هو ما يدفعني للحياة ومواصلة مشواري الفني».

في ثمانينات القرن الماضي؛ أسس حسن عبود مع بعض الفنانين العراقيين «جماعة الأربعة» للفن التشكيلي، عن تلك التجربة يقول: «خروجاً على السائد والنمطي في الساحة التشكيلية العراقية آنذاك، أسستُ مع الفنانين؛ الراحل محمد صبري، فاخر محمد وعاصم محمد، جماعة الأربعة التشكيلية التي توحد في المفاهيم والرؤى الفنية والمجايلة.

والفلسفة الفنية التي ترى أسرار الجمال في كائنات ومفردات تكاد تختلف بالكلية عن الآخرين، وأصدرنا أول بيان للمجموعة آنذاك، وأنجزنا عدة معارض مشتركة داخل العراق؛ إلا أنه وبعد الأزمات السياسية والاقتصادية المتلاحقة في العراق أيام النظام السابق أنجزنا آخر معرض لنا، وفرقتنا الغربة والأوضاع التي ذكرت.

وقد أصبت بصدمة عنيفة بعد رحيل زميلي الفنان محمد صبري، وقد عاودت المجموعة نشاطها رغم الافتراق عام 2006م في معرض أقمناه في سويسرا بانضمام فنان آخر». رغم حضورها السحري المغيب بشفافية في لوحاته؛ إلا أن المرأة كانت ومازالت هي الكائن الأكثر تألقاً في أعمال حسن عبود، وهو كما يقول أحد النقاد» ينزلق إلى الإنوثة من دون أن يفقد خطابه الفني مصالحه الرئيسية؛ التي منها رفعة المشاعر ومتانة التوصيل.

وبهذا ينصرف الفنان إلى العلامات المتاخمة لمشهد الحب -العذري منه- فهاك نساء غامضات في مشاهد محللة ومتجزأة: ستائر، فراشات، نوافذ، أوراق متساقطة، ما يسهم في تصعيد شاعرية المشهد»، أما حسن عبود فيقول عن هذه العلاقة الغامضة مع المرأة: «كثيراً ما أورق لوحتي جدلية الحوار الأزلي، بين المرأة كمخلوق غض جميل يمارس سلطة تكمن فيها جمالية العمل.

ولكن هذه الجمالية الغير مباشرة -أي المرأة في العمل ليس كشكل ظاهري- بل الفارق في توهيمات لونية وحسية تتناغم وأنوثة معكوسة في العمل من لون وشكل، وأحياناً أخرى تتشظى انفعالاتي فأحاول التعامل مع السطح التصويري للوجه بحس إنفعالي وتعبيري».

سيرة

ولد حسن عبود في العراق عام 1956م، وهو يقيم في هولندا منذ عام 1996م، له معارض في كل من: بينالي النرويج للكرافيك، يوغسلافيا، روما، الشارقة، حاز الجائزة الأولى للكرافيك عام 1986، وجوائز أخرى متعددة من مختلف البلدان. يعتبر الفنان أحد أبرز فناني الكرافيك في العراق والعالم العربي.

ونال لقب أفضل فنان كرافيك من قبل الفنان العراقي الشهير علاء بشير، وتعتبر طريقته في الكرافيك مدرسة قائمة بذاتها. يقع جاليري «قباب» الذي يقام فيه معرض حسن عبود في منطقة البطين، شارع رقم 15 فيلا 3 قرب معهد أبوظبي لتحفيظ القرآن الكريم، ويستمر المعرض حتى 12 أكتوبر الجاري.

أبوظبي ـ محمد الأنصاري