ليس المغاربة وحدهم يتوقعون أن تتحول مدينة ورزازات الساكنة عميقاً في قلب الجنوب المغربي، إلى عاصمة عالمية للفن السابع، فصناع السينما في أوروبا والولايات المتحدة يشاركونهم هذا التوقع، حيث يتوافدون عليها بحثاً عن الشمس، وعن تلك اللمسة الشرقية الضرورية لانتاجاتهم الضخمة.

في هذه المدينة، وهي عبارة عن صحراء شاسعة وسماء دائمة الزرقة، تنتصب ديكورات ضخمة من الخشب أو البوليستر تمثل قلاعاً ومعابد وعربات قديمة وتماثيل من كل الأنواع، إضافة إلى ما تمثله ورزازات نفسها من ديكور رائع الجمال، حيث يمكن لكبار المخرجين الاعتماد على ما تزخر به من مؤهلات طبيعية، وبنية فندقية جيدة، وصناع تقليديين مرموقين

لقد أضحت ورزازات أو «هوليوود افريقيا» بقصباتها وواحاتها ووديانها ملتقى مشاهير الفن السابع، فهي تقدم قصورها الرائعة المبنية بالتراب، وتلالها الممتدة على امتداد البصر مناظر متنوعة ومتعددة الألوان تشكل أماكن مثالية للتصوير، ومن هذه القصور، قصر آيت بن حدو الذي صنف ضمن التراث الإنساني العالمي، وقد ظهر في مشاهد من أفلام «لورانس العرب» مثل «ماسة النيل» و«غلادييتور». وفي فينيت، إحدى واحات المدينة الشهيرة، صور المخرج الأميركي مارتن سكورسيزي مشهد النسور في فيلم «كوندوم».

طبيعة خلابة

يعود تصوير الأفلام الأجنبية في المغرب إلى أواخر القرن التاسع عشر، إذ أعجب الأخوان لوميير اللذان ولدت على أيديهما السينما عام 1895، بطبيعة المغرب الخلابة، فاختاراه فضاء لتصوير فيلمهما «راعي الماعز المغربي»، وهو أول فيلم أنتج على أرض المغرب. ومنذ ذلك التاريخ، توافد السينمائيون الأجانب على البلاد ومن بينهم أسماء ذات شهرة عالمية.

وهناك أفلام نادرة ومهمة كان لها ارتباط بأرض المغرب مثل «عطيل» «1994» لأورسن ويلز و«الرجل الذي يعرف أكثر من اللازم» (1956) لألفريد هيتشكوك، «لورانس العرب» (1962) لدافيد لين و«مئة ألف دولار تحت الشمس» (1963) لهنري فيرنوي و«الرجل الذي أراد أن يكون ملكاً» (1975) لجون هيوستون .

و«آخر محاولة للمسيح» (1988) لمارتن سكورسيزي، و«شاي في الصحراء» (1991) لبرناردو برتولوتشي» و«المصارع» (2002) لريدلي سكوت و«ألكسندر» (2004) لأوليفر ستون، والفيلم الأخير كان دليلاً ساطعاً على قدرة ستديوهات ورزازات على استيعاب الانتاجات ذات البعد الأسطوري والتاريخي.

وكانت غالبية الأفلام الأجنبية تصور في مراكش، قبل أن تتحول تدريجياً إلى ورزازات بعد اكتشاف الكثير من خصائصها، لا سيما لجهة الهدوء الذي تتمتع به. ولعلها مفارقة غريبة أن تحمل تسمية المدينة التي أنشئت عام 1920 حول ثكنة عسكرية هذا المعنى بامتياز، فكلمة «ور» تعني باللغة البربرية (الأمازيغية) المحلية بدون، أما «وزازات» فتعني الضجيج.

وهي فعلا مدينة بـ «دون ضجيج» السيارات وصراخ المارة، وفيها يرتاح المرء من التلوث والاكتظاظ الذي يخنق الأنفاس، فهي مدينة ساحرة وهادئة وصحية اكشفها الغرب قبل أن يكشفها المغاربة، وقد تحولت إلى قبلة لمن ينشد الراحة، حيث سيجد نفسه وسط طيبوبة ناسها وبساطتهم، وقدرتهم على الانصهار مع الآخر.

وكانت فرنسا أيام انتدابها (1912 ـ 1956) اهتمت كثيراً بالصناعة السينمائية في المغرب، فقامت ببناء استوديوهات «السويسي» بهدف خلق صناعة سينمائية مغربية، تكون في خدمة الدعاية الاستعمارية، وتعمل على إقامة توزان أمام هيمنة السينما المصرية على العالم العربي.

ولا يزال المغرب يستقبل انتاجات أجنبية عديدة، حيث بات أحد أمكنة التصوير الأكثر جذباً للمنتجين والمخرجين العالميين. والواقع، أن المغرب هو البلد العربي الأول الذي يؤمّن إلى جانب المواقع الصحراوية المتعددة الإمكانيات البشرية والإنتاجية المختلفة، التي يحتاجها الإنتاج العالمي، تليه تونس ثم الأردن. ويتم تصوير ما بين 20 و30 فيلماً طويلاً كل عام، عدا تصوير الأفلام الإعلانية والوثائقية والبرامج التلفزيونية. ويصل عدد التراخيص التي تمنح لمثل هذه الأفلام والبرامج حوالي 500 ترخيص في العام الواحد.

صحراء العالم

هوليوود نفسها التي اختارت إنتاج أفلام تأخذ باهتمام الجمهور العريض متجاوزاً الحدود الضيقة للفيلم المنتمي إلى النمط السائد مثل «إنقاذ المجند رايان» وجدت في المغرب المكان المناسب للعودة بالسينما الحربية، وإطلاق موجة جديدة من أفلام العصابات والإقدام على تحقيق أفلام الملاحم التاريخية، وقد جرى تصوير كثير من هذه الأفلام في المغرب.

وجرب المخرج ريدلي سكوت المغرب أكثر من مرة، فصور أجزاء من «المصارع» و«سقوط بلاك هوك». ولعبت صحراء ورزازات دور الصحراء السودانية في الفيلم المنتمي أيضاً إلى نوع من التاريخ «الريشات الأربع»، كما لعبت دور بيروت في فيلم «لعبة جاسوسية» لتوني سكوت (شقيق ريدلي).

ولا ينحصر الإقبال المتزايد على ورزازات على الأفلام الأميركية فقط، بل تؤمها انتاجات فرنسية وإيطالية بصورة متواصلة، فالمخرجون الفرنسيون والإيطاليون والإنجليز وحتى الألمان يجدون في أرض المغرب، فضاء خصباً لإذكاء مخيلتهم. فالمغرب بالنسبة إليهم، أرض الشمس والنور، وهو يختصر القارة الافريقية بغاباتها وصحاريها وكثبانها وجبالها وأوديتها وبحارها وتلالها ونقوشها الصخرية وفصولها الخضراء وسهولها الجرداء.

فبحكم موقعه الجغرافي المتميز في قرن إفريقيا وعلى عتبة أوروبا، ومناخه الدافئ المعتدل، ولما منحته الطبيعة من امتيازات: محاط بالبحر الأبيض المتوسط شرقاً والمحيط الأطلسي غربا، ولكونه بوابة مفتوحة على الصحراء، غدا المغرب محطة نموذجية لتصوير المشاهد السينمائية.

صناعة سينمائية

عام 2005، افتتح العاهل المغربي الملك محمد السادس الاستوديوهات الجديدة في هذه المدينة التي أقيمت على مساحة 160 هكتاراً، وكانت ثمرة شراكة بين المنتج الإيطالي دينو دي لورينتي وشركته «سينيستا» ومجموعة من المستثمرين المغاربة، كما دشن بعد وقت قصير أول معهد مغربي متخصص في المهن السينمائية، يستجيب لمتطلبات القطاع السينمائي في المغرب ولحاجات المخرجين الأجانب من فنيين وتقنيين ومهارات سينمائية أخرى.

وهذا الاهتمام الذي توليه أعلى سلطة في البلاد لقطاع السينما، ينطلق من الرغبة في ازدهار صناعة سينمائية حقيقية، ذلك أن التصوير الأجنبي يعد بوابة النهوض بالسينما المغربية، فالإمكانات والتقنيات التي يستخدمها المخرجون القادمون، والاحتكاك بتجاربهم عوامل اغناء للسينمائيين المغاربة وإنضاج لتجاربهم الخاصة.

وقد ساهمت الانتاجات السينمائية العالمية بتعزيز قدرات الممثل المغربي فهو يقف حتى لو كان بأدوار قصيرة أمام أشهر المخرجين العالميين ونجوم هوليوود. ومن الممثلين المغاربة الذين اخترقوا عوالم الإنتاجات السينمائية الكبيرة إدريس الروخ، الذي نجح في وضع اسمه إلى جانب أشهر وأنجح نجوم السينما.

عبر أفلام متميزة مثل فيلم «بابل» لغارسيا أليخاندرو إيناريتو، و«فرسان الهيكل» لبيتير فلينت «رونديشن» لكيفن هود و«الوضعية» لفيليب هاس، بل أصبح اسمه في بعض الأفلام الأميركية يكتب على الأفيش، وهذا منتهى حلم أي ممثل مغربي.

وتضاف الاستوديوهات الجديدة إلى استوديوهين قديمين وبلاتو كانت شهدت إنتاج مئات الأفلام الروائية الطويلة والقصيرة والوثائقية والمسلسلات التلفزيونية والريبورتاجات. ومن بين ما صور فيلما «كليوباترا» و«لورنس العرب» لدافيد لين و«الملك أوديب» لبابلو بازولينيني و«المومياء» لستيفن سومرس ومسلسل «آخر الفرسان» للمخرج السوري نجدة إسماعيل أنزور.

ويتكفل «المركز السينمائي المغربي» بالقيام بمختلف الإجراءات الإدارية الخاصة، وتوفير أدوات العمل من أجهزة وكاميرات، بينما يوفر المئات من سكان ورزازات المدربين تدريباً جيدا مجاميع الكومبارس.

ويبدو أن المحفزات التي يقدمها المغرب لجذب السينمائيين أعطت ثمارها، حيث ارتفع رقم معاملات تصوير الأفلام، خلال الأعوام العشرة الأخيرة، من نحو 25 مليون دولار إلى أكثر من 240 مليوناً العام الماضي، فيما يتوقع أن يرتفع الى 800 مليون دولار، وهو رقم قياسي لم يتحقق من قبل ما سيجعل من هذا القطاع واقعاً مالياً، يساهم بدوره في الانتعاش الاقتصادي الذي تعرفه ورزازات.

الرباط ـ رضا الأعرجي