دراما

«عيون عليا».. قصة حب نقية في زمن دراما الشر والعنف

صورة

في الثقافة العربية ببدوها وحضرها، اتسعت دلالة العيون لتغطي معاني كثيرة أبرزها عيون الماء، وعيون الكلام، وعيون المعشوقة التي شكلت محور مسلسل «عيون عليا» من إنتاج المركز العربي، وإخراج حسن أبو شعيرة الذي عاد من غياب طويل عن ساحة الإخراج في الأردن امتد من عام 1990 حتى 2008 أمضاها في كل من سلطنة عمان ودولة الإمارات العربية المتحدة.

المسلسل الذي عرض خلال الموسم الحالي وحقق نسبة مشاهدة عالية، لعب بطولته كل من صبا مبارك وياسر المصري وكتب نصه مصطفى صالح. غير ان اللافت في هذا المسلسل هو ما أثاره وبشكل مفاجئ من جدل، وضجيج اثر عرضه وربما للمرة الأولى في تاريخ الدراما البدوية مشهداً لامرأة تستحم! ومع ان حالة الجدل هذه، تعد انعكاساً لتراكمات عديدة أوسع من المسلسل، تتمحور حول وضعية الإنتاج الدرامي الأردني وتعقيداتها، إلا أن اختراقاً بهذا المستوى، لما يعتبره البعض التزاماً يفترض مراعاته في القائمين على أي عمل فني تجاه عادات المجتمع وتقاليده، كان له صدى فاجأ الجميع من مشاهدين عاديين إلى النخب المثقفة، حتى ترددت الشائعات ان هناك أشخاصاً وجهات يدرسون احتمال رفع دعوى قضائية على الجهة المنتجة.

من جهته يلخص مخرج العمل حسن أبو شعيرة قصة العمل بالقول: «في خضم ما يتخم به المشاهد العربي من أعمال تتمحور حول العنف والقتل والضغينة والدم بالإضافة إلى ما ينضح به الواقع في البلاد العربية والعالم من حروب وأزمات، أرى أن المشاهد العربي بات متعطشاً لأعمال تكرس الحب كقيمة بحد ذاتها، وتريح أعصابه قليلاً» وفيما يتعلق بما يعتبره أبو شعيرة إضافة تعطي للعمل تفرداً وميزة على ما يعرض من أعمال، أوضح أن اللغة الدرامية العالية والسلسلة التي كتب بها مصطفى صالح نص المسلسل كانت من أهم ميزاته، وكذلك المشاهد المتوازنة بحيث لم تكن طويلة من دون مبرر ولا قصيرة فتفقد المعنى، إلى جانب التركيز على إبراز جماليات البيئة البدوية والطبيعة، عبر الخروج من بيت الشعر إلى البرية والجبال والتلال ومناطق الينابيع وعيون الماء.

وفيما يتعلق بالضجة التي ثارت حول اللقطات التي قدمت شخصية فتنة، وهي تستحم في شلال ماء يقول المخرج أبو شعيرة: «إن أي عمل فني وإبداعي لا يحمل مفردات الجرأة سيكون عملاً عادياً، ومجرد مراكمة كمية على ما هو موجود، ومن ناحية أخرى أجد انه مما يسجل للعمل المبدع، هو ما يستفزه بين الجمهور والنخب المثقفة من جدل وما يستدعيه من عمليات أخذ ورد في نطاقي الـ «مع» و«الضد» مما يسهم في اغناء التجربة ودفعها للأمام.

وحول المشهد بذاته وما إذا كان مبرراً في السياق الدرامي أم لا؟ يقول أبو شعيرة: «إن هذا المشهد لم ينفذ اعتباطاً بل كان مشهداً مدروساً فشخصية فتنة التي لعبت دورها الفنانة دانا جبر في سياق العمل، مات أخوها وأمها وهجرت حبيبها، أو أبعدت عنه فهي تحمل كمية كبيرة من الألم والعذاب والهم، ومن منظوري كمخرج وربما أكون مخطئاً أم مصيباً، رأيت ان أجعلها تحت الشلال، وكأنها تريد ان تغسل ما في داخلها من هموم وعذابات».

ويؤكد أبو شعيرة قائلاً: «لا يمكن ان أجرؤ على تنفيذ أي مشهد يمكن ليس فقط أن يخدش مشاعر أهل البادية بل أيضاً مشاعر أهل بيتي الذين يحضرون العمل معي وهم ابنتي وأختي وأمي». وما أعطى للعمل أبعاداً جمالية ولفت الانتباه، كان التركيز على الصورة المعدة في نطاق المدرسة الانطباعية التي تقوم في الأساس على التعامل مع الصورة كعناصر مركبة بعناية دون أي مجال للصدفة والاعتباط والتلقائية التي تمتاز بها المدرسة الواقعية.

ومع ان التركيز على جماليات الصورة في الدراما بات تقليداً الآن، إلا اننا نسأله: كل مخرج يحاول ان يسعى إلى تحقيق مستوى من التفرد والخصوصية التي تجعل من عمله مميزاً عن الأعمال الأخرى، فهل نجح «عيون عليا» على هذا الصعيد؟

يبادرنا المخرج أبو شعيرة بالقول: «ما يحدد زاوية الصورة ومكوناتها هو الموقف الدرامي نفسه، فمن خلال تحليل وقائع المشهد، يستلهم المخرج شكل تقديمه ومستوى الإضاءة، وأود هنا أن أنبه إلى الإمكانات المميزة التي يتمتع بها محمد حبيب مدير الإضاءة والتصوير الذي كان له دور فاعل في تنفيذ ما تريده الصورة من جماليات دون التضحية بالمضمون، وكان حديثنا معا يغطي الكثير حول نفسية الشخصية وعلاقة المشهد بالسياق، الذي يقدم من خلاله وغيرها من التفاصيل، ونشكل لكل موقف حالة من الإضاءة والعمق والزاوية.

ويعتبر أبو شعيرة أخيراً أن أكبر هاجس استولى عليه منذ بدأ بقراءة النص هو كيف يمكن التخلص من شخصية نمر العدوان ووضحى، بالنظر لأن الفنانين صبا مبارك وياسر المصري قد لعبا دور البطولة في مسلسل نمر العدوان، وهو مسلسل مازال عالقاً كما يرى أبوشعيرة في ذاكرة الجمهور. ويضيف قائلاً: «إن هذا الموضوع قد استهلك الكثير من الوقت والاجتماعات مع صبا وياسر، من أجل بلورة شخصية عناد وعليا وتخليصهما من نمر ووضحى».

ويختم أبو شعيرة بالقول: «من بين الأحداث التي وقعت في الكواليس وشكلت عقبة كبيرة هو نفوق فرس عليا، مما اضطرنا للبحث عن فرس شبيهة، وعندما وجدناها كان هناك مشكلة في التآلف بينها وبين الفنانة صبا، وقد استغرق ذلك الكثير من الجهد إلى ان حلت المشكلة».

عمان ـ محمد أبو رحمة

طباعة Email
تعليقات

تعليقات