بين الفنانات التجريديات في المغرب، تبرز الفنانة التشكيلية مليكة أكزناي باعتبارها من أبرز ممثلي هذا الاتجاه المتأثر بأحدث المدارس الفنية.
تكشف أعمال مليكة أكزناي بألوانها وتركيباتها عن حيوية مدهشة، كما تتميز بالبحث في ثنايا الموروث الحضاري المغربي الأصيل عبر أشكال تجريدية جميلة مطعمة بالحرف العربي، وهي تثبت بذلك أن الفن التجريدي ليس غريبا على الفنان المغربي، بل هو فن العرب الأصيل، ويكفي أن نفتح العين جيدا لنعثر عليه في كل مكان من حولنا.
مليكة أكزناي فتحت مشغلها الفني ل«الحواس الخمس» وتحدثت إليه عن مشوارها مع الهواية التي غدت احترافا، وعن تأثير دراستها للطب على أعمالها بمزيج من الصدق والصفاء، كما هي لغة الفن الذي كرست حياتها من أجله، وهذا نص ما دار من حوار:
ماذا عن البداية. أقصد كيف نضجت فكرة دخول عالم الفن التشكيلي؟
بدأت التجربة الفنية، التي تعني لي البحث والإضافة، من باب الهواية التي كانت المسيطرة على ما عداها من اهتمامات، وقد امتدت هذه المرحلة إلى 1966 حين شرعت في دراستي الأكاديمية، وفي تلك الفترة تأثرت، كغيري من المثقفين، بالعلاقة مع التراث الذي احتل مكانه في التجربة، وقد استمر ذلك حتى أصبح بمثابة الأرضية الثابتة لمجمل أعمالي.
ألم تخش الجمود وأنت تستمرين في البقاء ضمن دائرة محددة؟
بعد إكمال دراستي اهتممت بدراسة تراثنا التشكيلي، وذهبت إلى أبعد من هذا، حيث وضعت جانبا النماذج الأكاديمية، والتفت إلى ما يزخر به تراثنا من أسس تشكل مقومات التراث المحلي، لكن ليس بالضرورة أن يتضمن العمل الفني مفردات تراثية بعينها، لأن هذا يدخل ضمن دائرة الفلكلور.
لقد صادفت مرحلتي الدراسية ظهور مدرسة الدار البيضاء كتيار وكحساسية فنية تطمح للانتقال بالفن المغربي من الرسم الساذج وتصوير الغرابة الشرقية «الاكزوتيك»، إلى الحداثة والبعد التجريدي، حينما قرر الفنانون المغاربة أن يبدأوا من حيث انتهى الغرب.
وأن يبحثوا في ثنايا الموروث الحضاري المغربي الأصيل عن الأشكال التجريدية الجميلة، التي كانت تستعمل في الزرابي ونقوش الجدران والزليج والخشب، ولم أتردد في الانتصار لهذا التيار الفني الذي أعاد الاعتبار للحساسية المغربية، وربط الحداثة بجذور الماضي، لكنني اتخذت مسارا مستقلا تدرجت فيه حتى وصلت إلى المرحلة الحالية، حيث صارت لوحاتي تتميز بطابع شخصي يدل عليها.
التأثر والتأثير
هل تعنين أن على الفنان الخضوع دائما للتأثيرات الخارجية؟
ما يكون الفنان ليس مقادير من هذا الفن أو ذاك، ومن ثم يجمع في قارورة أو بوتقة ويحمل كل من هذه الفنون نسبة مئوية محددة. لا، الموضوع ليس بهذا الشكل.
ولكن الإنسان بشكل عام هو نتاج ما يتشرب به، كالاسفنجة، نشرب كل ما يعنينا وما يهمنا. أحيانا نشرب أشياء لا تهمنا، وبناء على ذلك، لا أقول إن أعمالي هي نتاج الفن الفلاني أو غيره، إذ يمكن لكل المراحل أن تنعكس على عمل الفنان، كما يمكن أن تحمل آخر لوحة يقوم الفنان بإنجازها، إذا كان محترفا وجديا وصادقا، كل مراحله، حتى مرحلة الطفولة.
هل نستطيع الحديث عن تحول في أعمالك الأخيرة؟
كل مرحلة من مراحل البحث التشكيلي تطرح لدى الفنان قضية عناصر اللوحة من أشكال وألوان. وبالنسبة لأعمالي الأخيرة، لا يمكن أن أتكلم عن الأسس الفنية بالمعنى المطلق. ربما يلاحظ الرائي أو المتفرج طريقة متميزة في تحريك الفضاء، وخلق أبعاد ما.
هناك حركية من خلال مناخ قد يتحول من القوي المشحون والساخن إلى الهادئ المتأمل، هذا باختصار ما يمكن أن يلاحظه المشاهد في أعمالي الأخيرة.
بين المحلية والعالمية.
هل تجدين نفسك مشغولة في قضية من نوع الوصول إلى العالمية، كما نلمسها عند بعض الفنانين؟
اللغة التشكيلية التي يتعامل معها وبها الفنان هي لغة عالمية مثلها مثل الموسيقى أو الرياضيات. لغات قائمة بذاتها ويتواصل من خلالها مختلف الشعوب، بصرف النظر عن العادات والخصوصيات، غير أن مسألة العالمية والخصوصية تخضع بالنسبة لي لجدلية قائمة منذ أن بدأت أعي هاتين القضيتين في الإبداع، ذلك إننا إذا تمسكنا بالعالمية بشكل سلبي سيستحيل علينا أن نكون عالميين لأن ذلك سيفضح استلابنا واستقطابنا لأشياء لا نفهمها ولا نحسها.
بالعكس إذا أخضعنا تجربتنا ووعينا الثقافي والفني إلى مقتضيات المعرفة التي يجب أن تكون أحيانا عملية تستمد أصولها من التراث والتقاليد، على مختلف المستويات، وعندما نقوم بهذه العملية التي هي عملية تثقيفية، أي عملية الوعي بالذات أولا، علينا أن نأخذ على عاتقنا مسالة ثقافتنا الوطنية ونستطيع بالتالي أن نحل معضلة الانطلاق من الخصوصية المحلية إلى تجاور مع العالمية.
تحيلنا إجابتك إلى السؤال عن الرؤية الخاصة لمليكة أكزناي. كيف تتعاملين مع اللوحة؟
ما أعرفه عن طريق الحس هو أن أعمالي تتسم بتعامل خاص مع اللون.
أعتقد أن الرسم بحد ذاته هو احتفال بالألوان، وإذا عدنا إلى التراث فسنجد أن الموسيقى الأندلسية مثلا احتفالية، هناك تغني بإنسانية الحياة، وهذا كمضمون فلسفي يصب في دافع العمل من اجل السلام، أي أن يدعو العمل إلى الابتهاج، هناك شاعرية وجمالية وراء هذا كله يجب أن تبرز وتغطي على المآسي الظالمة التي تعاني منها البشرية، وإذا لم يستطع الفن أن يحرك حب الحياة وحب البشر، فلا أدري ماذا سيكون هدف الفن.
الرباط ـ رضا الأعرجي
