يعجب الزائر لمنطقتي عسير وتهامة بأنهما تحتويان على عدد لا حصر له من المعالم الأثرية والمواقع السياحية التي تضاهي أهم المواقع السياحية في أوروبا، فهنا الجبال والأودية الخضراء تغص بالحياة والقرى، ويكاد السائح لا ينقطع عن مشاهدة القرى والمواقع السياحية المليئة بسكانها.

وهي إشارة إلى أن هذه البيئة الجغرافية الممتدة من الطائف حتى حدود اليمن، ومن البحر الأحمر حتى الصحراء، هي بيئة سكنها الإنسان منذ القدم، ولا تزال تحبو على درب السياحة، وتحتوي في أحشائها على أسرار وأسرار لم يتسنَ حتى الآن الكشف عنها، وتحتاج إلى سنوات من التنقيب لاتساع المنطقة وضخامتها ووعورة تضاريسها. (ذي عين) واحدة من القرى القديمة التي تسعى الهيئة العليا للسياحة السعودية للترويج لها، باعتبارها مشروعا وطنيا سعوديا تجريبيا، يتم تنفيذه وفق المعايير العالمية لحماية المواقع التراثية والمحافظة عليها، وستصبح قرية ذي عين رمزا جديدا بالنسبة للسياحة التراثية في منطقة الباحة.

وتقع قرية ذي عين على مسافة 80 كيلومترا جنوب مدينة الباحة مباشرة في منطقة يقل ارتفاعها عن مدينة الباحة، وتبعد مسافة 5 كيلومترات شمال قرية الجوة جنوب المخواة على ساحل عبدة، وتتبع إداريا لمحافظة المخواة.وبنيت القرية قبل نحو 500 عام وهجرها أهلها إلى القرية الجديدة التي تقع في الجهة المقابلة قبل نحو 20 عاما. منحدر ووداي ويتكون الموقع من نحو 20 مسكنا، تقع على المنحدر الغربي لهضبة صغيرة تقابل الوادي الرئيسي، حيث ترتفع السلسلة الجبلية من خلفها بصورة بانورامية فريدة، وتتكون جدران المباني من حجارة صغيرة متماثلة بطراز ليس فيه زخارف أو زينة، مع أسقف من الأخشاب أو الطين، ويمثل عدم وجود أي مبنى حديث ميزة كبيرة تسهم بتناسق المظهر العام للقرية، والمحافظة على وحدة شخصيتها المعمارية.

وعلى الرغم من أن معظم جدران المباني بحالة جيدة، إلا أن أسقفها تهدمت جزئيا أو كليا، وتتوفر في القرية عين ماء جارية طوال العام، تقع إلى الجنوب من القرية مباشرة، وهي التي توفر الماء للمنطقة الزراعية المجاورة، حيث توجد قنوات الري ومزارع النخيل والموز، التي تصل مساحتها إلى حدود ألف متر مربع، ولا تزال مباني القرية تحت الملكية الخاصة، ومعظم الملاك هم من السكان السابقين الذين يقطنون الآن في القرية الجديدة، وهناك اهتمام متزايد لحماية وصيانة مستقبل هذا الموقع.

مسؤولو السياحة

المسؤولون عن السياحة في المملكة العربية السعودية، يرون ضرورة تطوير الموقع سياحيا عن طريق بناء مركز للزوار، وتخصيص مواقف للسيارات ومنطقة للتنزه، أي إقامة حديقة كبيرة وفندق خمس نجوم، يليق بأهمية الموقع السياحي، إذ يجري حاليا، على قدم وساق، تجديد المباني الأثرية وترميمها، وهي تشبه في وضعها الحالي مواقع خيالية اقتبست من كتاب «ألف ليلة وليلة»، وسيتم توفير أسواق خاصة تلحق بالقرية، لبيع التحف والأثريات التذكارية.

ويتولى الإشراف على تطوير القرية المهندس السعودي حسين العمري، وهو من أبناء المنطقة، ويحرص المشروع على الحفاظ على تراث المنطقة في إطار مشروع متكامل، وقال المهندس حسين إن القرية جرى اختيارها من قبل الأمير سلطان بن سلمان، حتى تكون وجهة سياحية متكاملة.

وأوضح أن خطة متكاملة أعدت لتأهيل القرية وتطويرها، بما لا يضر بالطراز المعماري، مع توفير أنشطة تمنح الزائر الشعور بالراحة، وحب المكان، وتحقق الفائدة المرجوة من الزيارة، وسيتم توفير صالة معارض ومبانٍ لبيع أشياء ذات صلة بالتراث، كما سيتم تأهيل الأهالي لإعادة صنع المعدات التي كانوا يستخدمونها في حياتهم، و بيع المنتجات، وزيادة على ذلك، سيفتتح سوبر ماركت ومطاعم فضلا عن توفير البنية التحتية.

«كوفي شوب»

وستخصص مساحات لإنشاء (الكوفي شوب)، ومناطق أخرى تحتوي على نزل ريفية، وسنحرص على ألا تكون الزيارة طارئة، بل ستوفر كل الوسائل التي تجذب الزائر وتجعله يستقر هنا لبضعة أيام أو أكثر، وقد بدأنا المشروع منذ ثمانية شهور، وكانت البداية قوية، ونتوقع أن تنتهي المرحلة الأولى في السنة الحالية، وخلال السنوات القادمة سيكون التطوير شاملا.

وأضاف المهندس حسين العمري: منذ فترة قريبة كان الأمير سلطان بن سلمان في زيارتنا، وتحدث عن ضرورة إقامة مشروع الضوء والصوت، وكنا أجرينا تجارب على مشروع الضوء والصوت في القرية من قبل وأثبتت نجاحها.

أمل القرى

وتحيط بالقرية بعض مزارع العين، وقد تقلصت المساحة الخضراء كثيرا عما كانت عليه في السنين السابقة بسبب شح الأمطار، التي كانت في السابق تهطل صيفا وشتاء، ولم يبق سوى بئر عمقه نحو 45 مترا، وضعفت زراعة البن التي كانت أساسية في المنطقة، وبقيت هنا مزارع مثل مزارع الموز والكادي والنخل والليمون، وتعد القرية أمل القرى على مستوى المملكة حسب الهيئة العليا للسياحة، فالمنطقة لا تعاني إطلاقاً من شح الأمطار، بل من هجمات لقرود البابون التي تأتي بالعشرات إلى المزارع لسرقة الموز وأية ثمار أخرى.

وتتولى أمر الترميمات الأثرية مجموعة من الشبان اليمنيين، محترفي هذا النوع التراثي من المباني الحجرية، وهم في الغالب من منطقة صنعاء عاصمة اليمن، ولديهم القدرة على إنشاء مثل تلك المباني حتى وإن كان البناء يقوم على جرف.

وقال البناءون إن السر في ثبات الأبنية، على الرغم من أنها مبنية بلا أساسات، هو في تمكين الجزء السفلي ورص الحجارة فيه وسماكة الجدران.

مقابر جنود

ومن شيم أهالي منطقة عسير، أنهم يأبون التدخل الخارجي في شؤونهم منذ القدم، فقد لقنوا أبرهة الحبشي أثناء سيره إلى الكعبة، دروسا من الصمود والشجاعة، وأذاقوه المرارة فقتلوا معظم أفياله، أثناء عبوره مناطق وديان تهامة. وفي عصر القرن التاسع عشر، بعث محمد علي قوة استطلاعية إلى المنطقة، قوامها 400 جندي فقضي عليهم جميعاً، وتوجد مقابر ضباط محمد علي وجنوده قبالة قرية ذي عين مباشرة.

عسير ـ محمد نبيل سبرطلي