بين تلك الجبال الشامخة الممزوجة بأقدم حضارة إنسانية، تبزغ من جبال السرات وفي مدينة التاريخ الطائف، موهبة تجسدها روح الفنانة التشكيلية السعودية هبة الوقداني التي تمتلك روحاً أكبر من جسدها بكثير، وتغلي في مراجل قلبها الكثير من الطموحات، تنتظر الفرصة المناسبة لتفجر طاقاتها الفنية التي ترى في الأفق البعيد حداً هو بداية الطريق التي تسعى إليه.
وبذهنية ثاقبة وفوائد غني بالذكريات والتجارب، تحدثت هبة الوقداني من الطائف عن طموحاتها وأهدافها في هذه الحياة، وقالت إن فنها تعبير عن رفض الظلم والعبودية، ودعوة للمرأة كي تدافع عن نفسها، وترسخ ذاتها من خلال العلم والثقافة التي هي من حقها. هل تعتبرين نفسك فنانة محلية أم لديك طموح لتجاوز الحدود السعودية لتحقيق العالمية؟لا يهمني قط أن يصل فني إلى خارج الحدود السعودية، إن ما يهمني هو الشعور بالمتعة وأنا أنجز أعمالي الفنية، وإبراز معاناة الإنسان فيها، وأشعارهم بالرسالة المدفونة التي تشرح أحوال المضطهدين.
ولا شك بأن الإيمان بقيم من هذا النوع والدفاع عنها، ستعطي أعمالي صيتاً محلياً وعالمياً.وأرى أن غالبية الناس ستتجاوب مع هذه الأفكار، لأن معظم الناس لديهم عواطفه قوية، وبالتأكيد سيتقبلوا أعمالي وأرجو من الله أن تحظى أعمالي برواج عالمي، كما هي على الصعيد المحلي. هل بدأت بخطوات جدية للقفز إلى العالمية ؟لدي طموح كبير ولدي خططي المستقبلية، ولكن حتى الآن أستطيع القول إنني لم أصل إلى العالمية.هل تشعرين من خلال عيشك في مجتمع محافظ، بوجود حواجز وعراقيل تحول دون تحقيق طموحاتك نحو العالمية.. هل هناك من يساندك لتحقيق طموحاتك للانطلاق نحو فضاء أوسع؟
بالتأكيد.. هناك أسرتي، والحمد لله رب العالمين فهم جميعا منفتحون، يعيشون من دون أية عقد، وهم مثقفون أيضاً. إذن فأنا أنتمي إلى عائلة متفتحة مثقفة تدعمني فنياً وتشجعني، كما أن أعضاء الجماعة الفنية التي أنتمي إليها يقدمون لي الدعم والتشجيع.
ألا يوجد هناك تناقض بين حماسك الكبير للانعتاق من الظلم والدفاع عن المضطهدين، وهذا الغطاء الكثيف الذي يهيمن على معظم ملامح شخصيتك، فلوحاتك فيها صدق وترمز إلى الانعتاق والتحرر وكسر القيود؟
عندما يعبر الإنسان عن شعوره، ينبغي أن يعبر بصدق. فأنا أعبر عن نفسي بمشاعر صادقة، والحقيقة فإن لوحاتي تبوح بالكثير وتكشف الكثير، وليس فيها أية تسترات، لأنني أحب الحقيقة واضحة.
وأقول إنني لا أشعر بالظلم كظلم، فوضعي الحمد لله ممتاز، ولا يعني أن وضعي ممتاز أن تكون لي أنانية وأعيش من أجل نفسي وهذا كل شيء.إنني أعيش في مجتمع فيه مشكلات، كأي مجتمع في العالم، هناك الخير والشر، وهما نقيضان كبيران، وهناك الحب والسلام وهناك الكراهية والعنف، أي أن الإنسان يعيش مشاعر متقلبة.
ومن خلال علاقاتي الاجتماعية بين الفئات المختلفة، فأي معاناة أراها أمامي أو أسمعها عندما أنتقل من مكان إلى آخر، أحاول أن أبرز كل تلك التناقضات في المجتمع على اللوحة.
أرى أنك في لوحاتك لا تصورين الطبيعة، فرؤيتك ثاقبة تخترق الطبيعة لتصل إلى ما ورائها، فهل تلك فلسفة خاصة بك، على الرغم من أن كل ما يحيط بك هو الخضرة والمشاهد الجميلة؟
الحقيقة أعتمد في رسم لوحاتي على خيال العاطفة، وهي العاطفة التي أحسها وأشعر بها، فأنا أحزن أو أضحك بفرشاتي وأني أن فرشاتي هي قيثارتي التي أعزف عليها أنغامي، وهي التي تجسد أحزاني وفرحي على اللوحة. وهي ليست أداة رسم فحسب بل هي نافذة التعبير الوجداني حول ما يجيش بصدري.
لقد كرست فني دفاعاً عن حقوق المرأة والطفل مستخدمة الألوان والفرشاة. أتكلم أبكي دموع وأخلق المعجزات بفرشاتي وألواني، ولكن في حدود فكري وسقف خيالي.
هل هناك مضمون سياسي خفي في لوحاتك؟
الحقيقة إنني لا أجنح إلى السياسة في لوحاتي، بل أكرس لوحاتي للوصول إلى حلول اجتماعية، ولترسيخ مناخ يخلو من ظلم بعضنا للبعض الآخر.ظلم الطفل وظلم الرجل للمرأة.
هل تنوين طرح لوحاتك في المزادات ؟
لا بأس في ذلك، وليس لدي أي مانع. ففي الماضي شاركت في معارض عدة مع فنانين أقوياء وكبار داخل السعودية، ولم أشارك في أي معارض خارج السعودية. وليس لدي أي مانع في المشاركة في أي معرض لوحات في دبي. إن لوحاتي تمثل رسالة، ففيها المشاعر وفيها الألم وجميل أن توصل رسالتي لأي مكان.
لمست من لوحاتك أنها تمثل فناً تشكيلياً.. من أين استقيت هذا النوع من الفن، وأين تعلمته؟
الحقيقة فإن مدرستي الأولى هي الوالد والوالدة فكلاهما يرسمان. ويحظيان بدرجة عالية من الثقافة. وأفراد أسرتي في الغالب مهتمون بالرسم وبفن الديكور. يحبون الموسيقى والخط العربي والنحت، فالأسرة كلها مجموعة من محترفي الفن على اختلاف توجهاته. وقد ورثت حب الفن من الأسرة، ولم أتعلم الفن في أية أكاديمية بل هو هواية بشغف للفن.
ما دراساتك العلمية ؟
أكملت حتى الثانوية العامة، بعد ذلك توقفت عن تحصيل العلم. ولم أكمل الجامعة، ولكن مواهبي أقوى من الدراسة. فالفن بطبيعته يحتاج إلى مقومات عدة مثل المشاعر الصادقة، فضلاً عن اكتساب الخبرة الشخصية. فمن الضروري أن يكون عند الإنسان خبرة.
هل تعتقدين أن دور الدراسة هامشي مقارنة بالهواية والموهبة؟
لا أعتقد ذلك، فالدراسة مهمة، ولكن دور الموهبة أقوى. والموهبة هي منحة إلهية وأقوى من الرغبة البشرية في أداء عمل ما. ولكن من دون شك فإن التعليم والثقافة والخبرة تصقل تلك الموهبة.
هل لديك إطلاع على الفنانين العالميين البارزين؟
بالطبع، لدي أفكار مستقاة من تلك التجارب الخصبة لرواد الفن العالميين الذين يتربعون على عرش فن الرسم. ولا أكف عن البحث عن الوسائل الفنية التي أغذي بها ثقافتي الفنية.
وأود القول في كلمتي الأخيرة، إنني لم أحقق تلك الطموحات الكامنة في داخلي، فعالمي متسع والأفق ممتد أمامي، ولن أرضى بما وصلت إليه حتى الآن. وأتمنى أن نعمل من خلال الفن، وعبر وسائل أخرى في تخليص الناس من المعاناة.
الطائف ـ محمد نبيل سبرطلي


