تشكل الموسيقى التصويرية في العمل الدرامي أحد أهم مركباته التي تسهم إلى جانب عناصره الأخرى، في صهر شخصية المشهد وإبراز مقولته.
وهي تنتمي عموماً لموضوع أشمل هو المؤثرات الصوتية التي تشكل أحد ينابيع المعنى في الدراما، في حين تهمل بعض الأعمال هذا البعد فتكون عرضة لخسارة لا يمكن تعويضها، فيما يعكس اهتمام المخرج بالموسيقى عمق ثقافته الإخراجية، وإدراكه للمكانة البالغة الحساسية التي تحتلها الموسيقى في بناء العمل الدرامي عامة.
في سياق هذا الموضوع، وفي لقاء مع المؤلف الموسيقي عبدالحليم أبو حلتم مؤلف الموسيقى التصويرية لمسلسل «القدس أولى القبلتين» وللعديد من الأعمال المسرحية، قال: الموسيقى عنصر في غاية الأهمية بالنسبة للعمل الدرامي، وإذا لم يكن عند المؤلف وعيا وإدراكا لأهمية دور الموسيقى، فمن الممكن أن يلحق ضرراً كبيراً برسالة المشهد الدرامي في سياق العمل.
وأحياناً تعمق الموسيقى من فهم المشاهد للحدث، وأحياناً تقوم هي بقيادة الحدث بديلاً عن الحوار، وهي مسألة تنطبق أكثر على الأعمال المسرحية، وقد تجلى ذلك في تجربتي مع حكيم حرب في مسرحية «مأساة المهلهل»، حيث كانت الموسيقى بطلاً من أبطال المسرحية.
أما لماذا يتجه الملحنون إلى الموسيقى التصويرية، فلأنها مجال مرتبط بالظروف الإنتاجية، وبقابلية الساحة الفنية لاستيعاب موسيقيين في هذا المجال، وهو أمر يفسر قلة المختصين بالعروض الموسيقية المجردة.
وبخصوص إشكالات التكنيك والتنفيذ فيما يتعلق بالموسيقى، كجزء من مؤثرات صوتية تترافق وأحداث درامية في مسلسل، وما تتطلبه من جهد جماعي قال عبدالحليم: من وجهة نظري هذا الإشكال غير متعلق فقط بالفنان بل بالافتقاد إلى مؤسسات تدعمه دون اشتراطات تمس حرية الموسيقيين، فنحن نعرف أن مجال الموسيقى من المجالات المكلفة.
وفي عصر الكمبيوتر والأجهزة المتطورة فإن إنتاج موسيقى منافسة يتطلب مبالغ ضخمة، ناهيك عن الدقة المتناهية والحذر الشديد الذي يحتاجه المؤلف الموسيقي عندما يتعامل مع التقنيات الحديثة، كي لا ينزلق في مطب التركيب المفتعل للقوالب الجاهزة التي يتيحها الكمبيوتر مثلا، أضف إلى ذلك الميل العام لدى الموسيقيين، لأن يعمل كل منفرد وأن يعزف منفردا، ويلاحظ أن الساحة تفتقد إلى الفرق الموسيقية الجماعية.
وتابع: أما في سياق التجاذب القديم الجديد بين الأصيل والجميل في الموسيقى وبين الرديء، وإلى أين يتجه ميزان هذا التجاذب، فقد عبر عبدالحليم عن تشاؤمه في هذا المجال، وأضاف: من يرى الواقع لا يشعر بالارتياح من تأثير هذه الموسيقى على الجيل الحالي، فهي تتسرب إلى ذاكرته وبنائه المعرفي رويدا رويدا، وتحدث ما تحدثه من تآكل في تذوقه للموسيقى.
وبين عبدالحليم أنه أجرى دراسة على عينة من 150 طالباً تتراوح أعمارهم بين 14 و18 عاماً، وكان من بين المعطيات التي صدمته على حد تعبيره أن ثمانية منهم فقط يعرفون فيروز!
عمان ـ محمد أبورحمة
