المجتمع المصري كواقع معاش لا يختلف عن أي مجتمع آخر، يحوي من التباينات، ما يتيح لأي باحث تصنيفه حسبما يريد، لأنه ببساطة يحتوي على كل الوحدات التي تساعد على إجراء تصنيف مقنع.

فإذا أردنا التحدث من خلال التقسيم الطبقي فتلك الهوة بين مستوى معيشة الأفراد كافية لإعطائنا مبرراً قوياً، وكذلك الأمر بالنسبة للتمثيل العرقي، وهناك ملمح مهم للتصنيف يحاذر البعض في التطرق إليه لحساسيته الشديدة، ونقصد بذلك التقسيم العقائدي، فرغم أن معتنقي الدين المسيحي مثلاً يمثلون نسبة غير قليلة، إلا أن ما لاحظناه من خلال الدراما المعروضة هذا العام أن هناك حساسية في الطرح لتلك الشريحة الكبيرة، وإذا حدث فإن طبيعة أدوارهم تكون معدة سلفاً.نعني بذلك أنه رغم إدراك صناع الدراما بضرورة التحام أعمالهم بالواقع لتعبر عنه إلا أن تلك الأعمال لا تزال بعيدة عن الرصد الحقيقي للحياة الواقعية، وهو ما أظهر قصوراً واضحاً فيها، جعلها أشبه بأعمال موجهة، فبدت كالدروس التعليمية، وغالباً ما يمقت المشاهد إحساس الوصاية التي يترسب إليه منها.

غير حقيقي

بنظرة سريعة على الشخصية القبطية المصرية، ومدى تمثيلها في الدراما سنلمح على الفور أن هذا التمثيل لم يكن عادلاً ليعبر عن وجود تلك الشريحة الكبيرة من أبناء المجتمع المصري، حسب نوعية التناول، وحتى مع الظهور القليل لتلك الشخصية، فإنها كانت تظهر بالشكل النمطي المتعارف عليه منذ أزمان بعيدة في الدراما المصرية. ونقصد بذلك تلك الصورة المثالية التي تكون مواصفاتها «الطيبة».

و«التسامح»، ويرجع هذا لسببين أساسيين أولهما الخوف من التناول الخاطئ فيتسبب العمل في إثارة القلاقل، ومن الممكن هذا أن يستدعي رفعه من العرض، والسبب الثاني هو أن الأعمال الدرامية ذاتها لا تعبر عن التمثيل الواقعي بقدر ما تعبر عن وجود استثناءات وشخصيات خارج الإطار، لرؤيتهم بأن ذلك أدعى للتميز.

أول تلك الشخصيات أدتها الفنانة خيرية أحمد في مسلسل «رمانة الميزان»، وهي شخصية السيدة المسيحية «إيفون» التي تظهر بملامح الطيبة وحب الخير للناس.

وهو ما يتضح من علاقتها بجارتها «بوسي» التي قتل زوجها فتقوم إيفون بواجب المواساة عنها، وللحق فقد أدت الفنانة خيرية أحمد المطلوب منها في حدود دورها، ساعدها في ذلك ملامحها الأقرب للطيبة، وروحها الخفيفة، إلى جانب روح المرح الذي تتصف به أغلب ربات البيوت على تلك الشاكلة.

شخصية نمطية

التمثيل الثاني للشخصية القبطية جاء من خلال الفنان صلاح رشوان الذي يؤدي دور«عزيز رفقي» كاتم أسرار «سعد الدالي» في الجزء الثاني من مسلسل «الدالي»، ونستطيع القول إن مساحة الدور الكبيرة لتلك الشخصية جعلت ملامحها تتضح للمشاهد، فهو المساعد الأمين لرجل الأعمال الكبير، الذي يقدم من خلال وفائه نموذجاً للأمانة، وهو سر تمسك الدالي به رغم اختلاف الديانة.

رغم النموذج الإيجابي الذي أظهره هذا المسلسل للشخصية القبطية، إلا أن المسلسل ذاته، أظهر الصورة العكسية لها، والمتمثلة في ابن «عزيز رفقي» العاق «مينا» الذي يحاول الحجر على أبيه للانتفاع بأمواله، كما يتسبب في موت أمه إلى جانب خلافاته الكثيرة مع والده التي تتسبب في حدوث أزمات متعددة له.

النموذج الثالث يقدمه الفنان صبري عبد المنعم حين يظهر من خلال مسلسل «هيمه» ويؤدي دور «ميلاد»، وهو أعز أصدقاء حسن حسني، وكاتم أسراره، ومستودع همومه، إلى جانب أنه زميله في العمل، أي أنه يقضي معه أغلب أوقاته، وهو ما يجعل أزماتهما متشابهة، رغم اختلاف العقيدة، لذا فإن مواقفهما دائماً واحدة لأن الخطر بالنسبة لكليهما من مصدر واحد.

نستطيع القول، رغم ما تمثله الدراما من أهمية في التعبير عن الواقع إلا أنها تتجاهل عن عمد إظهار بعض النواحي المهمة، ربما لتفادي المنتجين مقص الرقيب، أو من مبدأ البعد عن القلاقل والمتاعب، وهذا في رأينا ما يتنافى مع الهدف من الدراما بصفة خاصة والفن عامة.

القاهرة ـ (دار الإعلام العربية)