ربما يكون الإيراني عباس كياروستامي أول مخرج في العالم يصور فيلماً لا يحصل فيه شيئ، ولا شيء إطلاقاً، وهذا كان حلمه منذ زمن طويل، لكن لم تتوفر شروط تحقيقه إلا أخيراً.

ينطلق فيلمه الجديد «شيرين» الذي عُرض في الدورة الأخيرة لمهرجان البندقية السينمائي الدولي ب«جنريك» هو لفيلم يشاهده متفرجون في مكان نعتقد أنه إحدى الصالات الإيرانية. هذا «الجنريك» هو كل ما سنراه من الفيلم المعروض في تلك الصالة، إذ بعد صعود الأسماء، يفضل المعلم الإيراني أن يتوجه بكاميراه إلى وجوه الحاضرين. طوال ساعة ونصف الساعة سنتابع ما يحدث على الشاشة من خلال الشريط الصوتي الغني جداً،وأيضاً من خلال ما يرتسم على وجوه الحاضرين من انفعالات جراء تماهيهم مع القصة وتأثرهم بها. خارج الكادر هناك أسطورة فارسية من القرن الثاني عشر: نستمع (بدلاً أن نرى) إلى مصير أميرة، هي شيرين، وقصة حبها بخوسروف بخلفية مثلث غرامي شهير. غنيّ عن القول أن النهاية ستكون تراجيدية.

لا تنتهي الخبرية عند هذا الحد: فمشاهدو هذا الفيلم هم من النساء فقط، واستطراداً، هم من أبرز ممثلات السينما الإيرانية، عددهن 114 عملن في المسرح والسينما. ومن بين هذه الممثلات أجنبية واحدة هي النجمة الفرنسية جولييت بينوش التي ستمثل في إدارة المعلم العام المقبل.

إذاً، كل واحدة منهن تظهر على الشاشة لمدة 15 ثانية، ولن تطل مرة ثانية. يتيح لنا كياروستامي في «شيرين» الاستمتاع بجمال المرأة عموماً، والإيرانية خصوصاً، ويوجه لهنّ رسالة حب لا تقدر بثمن. هذا أيضاً فيلم رمزيّ يأتينا من بلاد فيها قدر كبير من المسلمات الأخلاقية والدينية، حيث للرقابة الكلمة الأخيرة دوماً. لكن قدرة كيارستمي على التحايل على الممنوعات والتلاعب بها باتت أسطورية. في الآتي حوار مقتضب مع أحد كبار شعراء الكاميرا في السينما المعاصرة:

يلخص مسارك السينمائي منذ بدايات عملك في أوائل السبعينات، بتجميد مواضيع أصبحت لازمة في أفلامك: الحب، الموت، البحث عن الصفاء، جمال الطبيعة، أو التواصل المستحيل بين كائنات محكومة بالعزلة. هل جعل ذلك منك مخرجاً سينمائياً عالمياً ويفهمه الإنسان الإيراني، بقدر ما يفهمه الإنسان الغربي؟

لا أعلم إذا كانت أفلامي عالمية. أدرك أن المواضيع المتواترة في عملي هي كذلك. شعور الحب، على سبيل المثال، هو نفسه في كل مكان، وإذا كان لكل قصائد الحب المكتوبة في العالم المقدرة عينها على تحريك الشعور، فذلك لأن الأمر يتعلق بحالة نفسية، يمكن أن يجد أي إنسان فيها نفسه. في رأيي، المهم أنها تؤثر في الكائن البشري التأثير المرتجى.

من فيلم إلى آخر، تحتل الفكاهة في أفلامك مكاناً أكثر أهمية من أجل تخفيف قسوة الحياة والفن، هل ذلك نوع من التفاؤل؟

هناك شيء من الحقيقة في ما تقوله، فالعبء الذي يحمله الإنسان ثقيل لما فيه الكفاية، إلى درجة أنني لا أرغب في أن أضيف إليه. مع كل فيلم جديد اتخذ قراراً مسبقاً بحل بعض العقد. سوف يكون من الظلم خلق عقد من جديد، فالفن بلا فرح ينحو نحو حتفه.

عبرت دوماً عن اعتقادك القائم على أن نصف العمل السينمائي مصنوع من الذي يتلقاه، ألا تخشى الالتباس وسوء الفهم لذلك؟

الفيلم الناجح هو الذي يتيح مجالاً واسعاً للتفسيرات والاحتمالات في قراءته. لست من أولئك المخرجين الذين يعتبرون المشاهد «أبله» ويشبعون أفلامهم بالشروح الطويلة. اعتقدت دوماً انه يعود للمشاهد واجب الذهاب نحو الفيلم، أن يشرك نفسه بالنسبة إلى العمل ويحفر فيه مَخرجه الخاص.

لهذا السبب أحب المَشاهد، حيث نرى فيه شخصية تتحدث عبر الهاتف، من دون أن نكون قادرين على سماع صوتها: عبر مراقبتنا بتيقظ حالة وجه وصوت هذه الشخصية نحن على يقين بأن نحذر أو نفهم ما يقال. لكن كل ذلك يتطلب تورطاً حقيقياً من قبل المتلقي، إذا شاء أن يشكل من جديد أجوبة عن أسئلته الخاصة، إشراك شخص من خارج الفيلم في الفيلم، يجعل هذا الأخير أكثر غنى.

هل تعتقد أن هناك صلة ضمنية بين عملك السينمائي وبين الأدب والشعر؟

من الصعب تحديد علاقات من هذا النوع، ما أعرفه بالمقابل، هو أنني أعتبر نفسي بعيداً عن كل شكل أدبي يرتكز على صوت الراوي، وأعتقد من جهة أخرى، أنه لا يمكننا أن نفصل الشعر عن الحياة، فالشعر يعوم بها.

لست راضياً بالحدود التي يرسمها لك تعبيرك السينمائي، وتمارس أيضاً التصوير الفوتوغرافي والرسم. هل يحقق لك هذان الفنان تفتحاً تحرمك منه السينما؟

حالياً يستهويني التصوير الفوتوغرافي برضى حقيقي. أحياناً تستطيع صورة فوتوغرافية أن تتكلم أكثر من فيلم، فهي تمنحني إمكان الشعور بأنني مصور فوتوغرافي في كل لحظة، في حين أشعر بأنني مخرج فقط عندما أقف وراء الكاميرا.

انه عمل يرتكز على الضغط على زر لنوع من نشاط لا يمكننا أن نجده في السينما، حتى مع تخفيض عدد المعاونين والتقنيين. التصوير الفوتوغرافي يتيح لي أيضاً أن أشاطر الآخرين متعة اللحظة، وان التقط جمال منظر طبيعي يغلفه نور اللحظة ولون الفصل.

أما بالنسبة إلى الرسم فقد استبدلته بالتصوير الفوتوغرافي في اليوم الذي اتضح لي بأن ريشتي قلم كانت تنافس الطبيعة التي تتجاوز قدراتي في الرسم. الآن اكتفي بأن أسجل آلياً السحر الذي تضعه الطبيعة تحت تصرفي.

هل يمكنك تحديد طبيعة علاقتك بالسينما العربية؟

للأسف، اجتياح السينما الهوليوودية اقام حاجزاً بين السينما الإيرانية والسينما العربية. التواصل بينهما غير موجود فعلاً. فالسينما الأميركية موجودة في كل مكان، حتى أوروبا غارقة في الوضع نفسه. عندما كنت في عمر 10 أو 12 سنة (خلال سنوات 1950 ـ 1952) كانت السينما العربية تفرض نفسها بكثرة على الشاشات. اليوم نكون محظوظين إذا عثرنا على فيلم أو اثنين عربيين في مهرجان.

بيروت ـ هوفيك حبشيان