«قلب ميت» و«هيمه» عملان يتشابهان في كثير من النقاط.. أولاً لأن بطليهما شابان من خريجي الجامعة، ويبحثان عن عمل، وثانياً لأنهما يدشنان جيلاً جديداً من كتاب الدراما التلفزيونية الشباب وهما أحمد عبدالفتاح مؤلف «قلب ميت» وهذا هو عمله الثاني، وبلال فضل مؤلف «هيمه» أو (سنوات الضحك والدموع) .
وهذا هو عمله الأول، وثالثاً أنهما يضعان مشكلات الشباب وقضاياهم في الدرجة الأولى من اهتمامات هذه الأعمال، وليست مشكلات سواهم من الكبار، وبالتالي ما يفرضه هذا من صعود نجوم جدد إلى الأدوار المحورية التي كانت شبه محجوزة لنجوم ونجمات السينما الكبار، وحتى الآن بالطبع.أما رابعاً، فهو عنصر القدرة التعبيرية لهؤلاء الكتاب الجدد، مع اختلاف الأسلوب وهضم لغة وأساليب آبائهم اجتماعياً وفنياً، وطرح جديدهم في التعامل مع الحياة بأساليبهم التي قد لا تكون مختلفة كلياً، ولكنها متدرجة ولها خصوصيتها في الانتقال من حسن النوايا إلى الصدام واستخدام القوة، للبحث عن الحقوق أو رد المظالم.
أما الأمر الأخير فيما يخص هؤلاء الكتاب الجدد للدراما التلفزيونية، هو وصولهم إلينا عبر مخرجين كبار من أجيال سابقة، جمال عبدالحميد مخرج «هيمه» أو مجدي أبوعميرة مخرج «قلب ميت»، فالتعاون بين الأجيال هو أيضاً حلقة مهمة في الإبداع نكتشفها من خلال اختلاف طريقة التعبير بين «قلب ميت» بواقعيته الصادقة، وبين «هيمه» بسخريته وقدرته على انتزاع الجمال من القبح والابتسامة من القتامة.
يطرح «قلب ميت» الذي يقوم ببطولته شريف منير، وهو أكبر من عمر البطل «رضا أبوشامة» بسنوات ـ إلا أنه يعوض هذا بحضوره المتألق بعد غياب طويل عن الشاشة الصغيرة، وبمقدرته العالية على استيفاء متطلبات دور صعب لشاب جامعي عاطل في حي شعبي يستخدم ذكاءه وقدراته العالية في أداء الخدمات للآخرين.
وفي تخليص مباريات عليها رهانات في المقاهي وملاعب الكرة، ويتطور الأمر به إلى تخليص سباقات السيارات السرية بالقرب من مطار القاهرة والتي يقيمها شاب من عائلة كانت ثرية، احترف أعمالاً جديدة من البيزنس يعتمد فيها على شباب قلبه ميت، مثل رضا الذي يفوز بالسباق، ولكنه يتحول إلى كبش فداء لصاحبه حين تتدخل الشرطة فيقبضون عليه، ويستكمل المؤلف تقديم عالم بطله سواء أسرته، الأم (سميرة عبدالعزيز).
والتي لا تملك سوى الدموع وفرج ربنا للناس الغلابة، والأب رئيس العمال في شركة مقاولات (جمال إسماعيل)، وأخوته وخطيبته حنان التي أحبها منذ صغرها والتي تقطن في المسكن المجاور في حارة يعرف كل الناس فيها بعضهم بعضها.
ولكنها تختلف عن حارة زمان أو حارة نجيب محفوظ، فلم تكن هذه الحارات هي ملتقى الشباب المتعلم العاطل والباحث عن أي خيط للنجاة، حتى لو كان ركوب البحر في مغامرة مميتة كما فعل «سلامة» صديق رضا الوفي، تتطور الأحداث حين يجد رضا نفسه في وضع الدفاع عن أبيه الذي اتهم ظلماً بغش مواد البناء، لأنه رفض الغش ومسايرة المقاول وعصابته، وتقوده هذه الواقعة للارتباط بالفتاة التي تقدم الشاي لعمال الموقع «بسمة»، والتي شهدت بالحق فأصبحت مطرودة ومطاردة هي الأخرى «قامت بدورها غادة عادل في دور مختلف يحسب لها كممثلة قبل النجمة».
في عمل يتميز بسرعة الحدث وديناميكية الكتابة وقدرة مخرجه على الحفاظ على إيقاع متدفق خاصة في المشاهد الخطرة كسباقات السيارات، التي استعان فيها بخبراء وتلك خطوة جيدة في الاعتراف بأهمية التخصص الفني الذي يضيف للعمل مصداقية أعلى.
أما مسلسل «هيمه» فيقدم صورة أخرى للشباب والعمل والبطالة في مصر، لكن من خلال تحديد للمكان الذي تدور فيه الأحداث وهو «جزيرة الوراق» التي كانت موضع صراع في العام الماضي بين الأهالي والمستثمرين والحكومة ـ ومازال الحال على ما هو عليه ـ ويختار المخرج الفنان جمال عبدالحميد أسلوب «التراجيد كوميدي» ليكون هو تيمة العمل، فيفلح في انتزاع ضحكاتنا من كم المرارة والأسى الذي يعانيه بطل المسلسل هيمه (أحمد رزق) في ثاني بطولاته التلفزيونية «خريج كلية السياحة .
والذي يفشل في العمل مرشداً سياحياً، بل وفي فعل أي شيء في تخصصه حتى بيع الأحجار الأثرية يفشل فيه، بفعل رفض الذين سبقوه في هذا العمل في مشاركتهم لقمتهم، فيتهمه أحدهم بخطف مجموعة سياح قبل أن يثبت أنها مكيدة لإبعاده من الأهرامات وأرضها الواسعة، وعندما يعاند يتضح له أن الحصول على رخصة للعمل يحتاج إلى أموال كبيرة لا يقدر عليها فيبحث عن عمل آخر، ويسعد بإعلان عن الصندوق الاجتماعي للخريجين ويذهب ومعه مشروع فيفشل في مقابلة المسؤول مراراً، وعندما ينتظره ليشكو إليه موظفيه يتعرض لبطشهم الشديد،.
ولا ينقذه إلا وجود مندوبة قناة فضائية ومعها الكاميرا ويحاول المسؤول الخروج من الورطة، بعد إذاعة التقرير بدعوة «هيمه» ومندوبة القناة بزعم حل مشكلته، لكن هيمه يكتشف أنه يبيعه الوهم من أجل تبييض صورة الصندوق، وأن عليه إحضار عشرات الموافقات المستحيلة، قبل أن يحصل على الأرض التي يريدها من أجل مشروعه، يتمتع الحوار ببلاغة في حلقات متعددة وبقدرة عالية على وضع الهزل في قالب الجد.
واختيار المفردات الدالة على عكسها في إطار يلخص علاقة البطل وأهله بما يحدث الآن في مصر، حيث تقول كلمات التيتر الأخير: «وها تعمل إيه في الحياة يا قليل البخت والحيلة، عيلة بلا مال ومالك في الحياة لزمة، ها تعيش عواطلي وتتشيع في ترحيلة، في دنيا ضرباك في عز الأزمة بالجزمة».
القاهرة ـ أسامة عسل

