من بين تلك البرامج التي احتلت مكانة الصدارة على الشاشة، ونالت اهتمام المشاهدين في الأردن والعالم العربي، هي برامج المسابقات التي تتنوع أساليبها، ومستويات إنتاجها، والشكل العام الذي يختلف باختلاف معديها ومخرجيها ومقدميها.

وفي حين تشكل المعلومة والفزورة والألغاز موضوع هذه البرامج والمحور الذي تدور حوله الأسئلة، إلا أن محاكاتها لأحلام البسطاء وذوي الدخل المحدود الذين يسعون للخروج ولو مؤقتا من مآزق الحياة المالية، هي التي تشكل أبرز أسباب نجاح تلك البرامج.

وحول هذا الموضوع يقول الباحث النفسي طارق عبد القادر إن إحدى الدراسات أثبتت أن 80% من الأردنيين يحلمون بربح مبلغ مالي، أو بالعثور عليه، وأن 57% يحلمون بالعثور على الذهب من دفائن الحضارات الغابرة، بينما يتوقع 73% أن يتلقى زيادة على الراتب بنسبة الضعف.

ومن باب الافتراض المنطقي فإن النسب يمكن أن تكون متقاربة في أغلب البلدان العربية، مما يفسر المكانة التي تحتلها احتمالية الربح عبر الاتصال بالبرنامج في جذب المشاهدين إلى درجة أن استعمال شبكة الاتصال في السويعات التي تلي الإفطار في رمضان تصبح عسيرة للغاية.

وأضاف الباحث أن من بين الوسائل العديدة التي يلجأ إليها الواقعون تحت ضغط الحاجة، هي السعي إلى تحقيق الربح السريع والخاطف، وهو أمر يعكس ضمنا حالة الإحباط من تحقيق مستوى مالي بعيد المدى، ومبني على خبرات وجهد كالذي تتطلبه الصنعة مثلا أو الوظيفة.

ويستطرد الباحث النفسي: بالتأكيد هناك فوائد لا يمكن إنكارها من تلك البرامج غير الموضوع المالي فهناك تنمية الجانب المعرفي، والاجتماعي داخل العائلة.

وهي على العموم تنتمي إلى نوع البرامج الخفيفة، التي تشتمل على فقرات الترفيه وتنمية حس المشاهد بالفكاهة وتنفيس الضغوطات، لكن الجانب السلبي فيها أنها تنتمي لمنظومة حلول للمشكلات المالية والاجتماعية من النوع الذي يغذي الوهم، ويلعب على وتر الحاجات اللحوحة للناس بتحقيق أرباح طائلة لجهات معينة، وإلقاء الفتات للمشتركين فرادى.

ويختتم عبد القادر حديثه بالقول: إن الهم الأبرز للمواطن العادي يظل على الدوام تأمين لقمة العيش والحياة الكريمة ولو بحدها الأدنى، وبشكل موضوعي وبعيد المدى، ولا بأس أن يحلم بربح المال، ولكن عليه أن يراعي مبدأ «الشيء إن زاد عن حده انقلب إلى ضده».

أما على مستوى تلك البرامج لجهة انتشارها وجماهيريتها، فيقول أمجد يوسف الخبير في مجال الإعلام المرئي والمسموع، إنه بوسع المتابع أن يلاحظ تراجع الأعمال التي تتطلب إنتاجا ضخما.

ومبالغ طائلة، كان يشكل اختيار بطلها ونصوصها الشغل الشاغل للعاملين في التلفزيون وعلى مدار عام، مثل: ألف ليلة وليلة، وفطوطة، وفوازير رمضانية التي حققت انتشارا واسعا في عقدي الثمانينيات حتى أواسط التسعينيات، وكانت تشكل أحد المعياريات التي تقيس انتشار الإنتاج المصري وتفرده.

وهذا التراجع أتاح للبرامج التي تعتمد المعلومة والاتصال الهاتفي المباشر مع المشاهد أن تنتشر بالاعتماد على تطورين هامين في عالم الإعلام والاتصالات، وهما: الفضائيات والهاتف النقال.

ويضيف أمجد: أن السمة التي تتغلب على المسابقات الحالية هي ارتباطها بالمقدم وقدراته وشخصيته في تقديم فقراته حتى بات بعض مقدمي البرامج ينافسون الممثلين في عالمي السينما والإنتاج التلفزيوني على الشهرة والنجومية، كالمقدم الشهير جورج قرداحي لبرنامج من سيربح المليون.

ويستطرد قائلا: إن السمة الثانية للبرامج التي تعرض حاليا هي اتجاهها إلى المحلية، إذ يلاحظ المتابع أن لكل محطة عربية حاليا برنامجها الخاص للمسابقات، وإن كانت غالبيتها تفتح مجال الاتصال من خارج البلد، إلا أن وجهة خطاب البرنامج وجمهوره المستهدف هي مواطني البلد التي تنطق المحطة باسمهم، كبرنامج « رمضان معنا أحلى» الذي يبث على التلفزيون الأردني، ويغلب عليه الطابع الإنساني في تحقيق الربح لكل من يتصل تقريباً.

ويختتم أمجد حديثه بالقول: إن من بين أكبر فوائد هذه البرامج من منظور المحطات الفضائية، هي جسر الهوة بين المشاهدين والقناة، فعملية الاتصال المباشر وربما تحقيق الربح عبر القناة تشكل أحد العوامل التي تؤسس لروابط مباشرة مع التلفزيون، مما يحقق مستوى من التفاعلية، أي التأثر والتأثير بين القناة ومشاهديها.

عمان ـ محمد أبو رحمة