رغم نجاح بعض مسلسلات سير المشاهير في تحقيق أعلى نسبة مشاهدة على شاشات الفضائيات، بما تطرحه من قضايا مثيرة للجدل وأحداث ساخنة على الساحة، إلا أن المنتج المصري منها واجه تهمة التشابه والتكرار في أفكارها وموضوعاتها بالإضافة إلى الفقر في الإنتاج، فأصبح أمرا عاديا أن تتفوق الدراما السورية في هذه النوعية من الأعمال وتصل إلى مكانه متميزة شكلا ومضمونا.
في الأعوام الماضية أكثرت الدراما التلفزيونية من الأعمال التي تعتمد على السيرة الذاتية لأحد الأعلام المعروفة، خاصة بعد نجاح تجربة «إنعام محمد علي» من خلال مسلسل «أم كلثوم».ولكن للأسف جاءت معظم تلك الأعمال مخيبة للآمال لانخفاض المستوى التكنيكي في الإخراج وضعف السيناريو وتخلف الأداء، بالإضافة إلى عنصر الوقت غير الكافي لتقديم عمل فني جيد، والاعتماد على نظرية «سلق البيض» ونظام «السبوبة» في تقديم تلك المسلسلات. ومنذ عدة سنوات ابتعد المصريون عن المسلسلات التاريخية التي تتناول السير الذاتية بعد فضيحة مسلسل «بيبرس» ومقارنته بالمسلسل السوري الذي تفوق عليه في السيناريو والإنتاج وأداء الممثلين، وأصبحت البصمة السورية هي ضمان الجودة لمتابعة أي عمل تاريخي يتناول السير الذاتية لعظماء التاريخ العرب والعجم.
وفي هذا العام قدم مجموعة من الفنانين السوريين والعرب وعلى رأسهم الممثل والمخرج «عباس النوري» مسلسل «أبو جعفر المنصور» بشكل مميز ومتفرد، خاصة تفاصيل حقبة تاريخية مهمة تتشابك فيها الأحداث وتختلط فيها الآراء ما بين من يرى أنها أضافت إلى الإسلام الفتوحات والحضارة.
ومن يري في بدايتها أحد بحور الدم التي راح فيها الكثيرون، ومدى براعة المسلسل في نقلنا وجدانيا إلى هذا العصر، حيث تشعر في أحياناً كثيرة بالمعاناة، وأنت ترى هذا الصراع بين أسماء تاريخية صورتها لنا الدراما من قبل وكأنهم يعيشون في حالة سلام دائم.
بالإضافة إلى الإتقان في الأزياء والديكور الذي يجعلك تعيش العصر العباسي وبدايته بكل ما فيه، ويجعل عقلك يتفرغ لمتابعة التاريخ ومحاولة فهم الأحداث التي مر بها أصحاب تلك السيرة، ولا يقدم المسلسل أبو جعفر المنصور في صورة مضيئة، ولكن يطرح ما له وما عليه.
ويشارك أيضا مسلسل «أسمهان» في نقل المشاهد إلى الأحداث وقت وقوعها، فالاختيار الجيد لأماكن التصوير تجعلك تصدق أنها الأماكن الحقيقية، والتركيز على الأزياء التي اشتهرت في تلك المرحلة وتسريحة الشعر ونوع الماكياج تضفي الصدق .
وهي تنقلنا إلى بداية القرن الماضي، ومن أجمل المشاهد التي صورت تلك التي تناولت جبل الدروز والشام القديمة، فإنك تشعر بالأزقة والحواري ورائحة الياسمين الشامي في كل مشهد صور هناك.
على الجانب الآخر، جاءت المسلسلات المصرية من هذه النوعية مخيبه للآمال،، ففي مسلسل الشيخ «عبد الحليم محمود» تتوقف كثيراً لتسأل هل تشاهد مسلسل الشيخ الشعراوي أم مسلسل الشيخ عبد الحليم محمود، لتشابه الديكور إلى حد كبير بين العملين، بالإضافة إلى أن معظم من قام ببطولة الشعراوي ينضم لمسلسل «عبد الحليم محمود».
إضافة إلى اقتراب المعالجة الدرامية للمسلسلين من بعضهما بشكل كبير، أما إذا تكلمت عن نقل الواقع والزمن الذي كانت فيه الأحداث، فإنك لا تستطيع تصديق هذا خاصة في الديكور وملابس الممثلين، وبالأخص «عفاف شعيب» التي لعبت دور زوجة الشيخ «عبد الحليم محمود» والتي ارتدت ملابس نراها في محال المحجبات الآن.
بالإضافة إلى الأداء الفاتر من العديد من الممثلين والانفعالات غير المنطقية لبعضهم البعض، وبعيداً عن أن الشيخ عبد الحليم محمود لا يشبه الممثل حسن يوسف وخاصة في الطول، إلا أن هذا يمكن تداركه إذا أحسست بروح الشخصية وهذا ما حدث مع الشعراوي، أما في مسلسل «عبد الحليم محمود» فنستطيع القول أنه نسخة مشوهة من مسلسل الشعراوي.
أما مسلسل «علي مبارك» فيصلح لأن يكون مسلسلاً توضيحياً لطلبة المدارس مثل الأعمال التي كانت تقدم من قبل لطلبة المدارس والخاصة بالمناهج التعليمية ولا يحتاج فيها الطالب سوى المعلومة فقط، أما الأداء والإبهار في الإنتاج ونقلك إلى جو المرحلة التي وقعت فيها الأحداث فلا أهمية لذلك.
ومن شاهد حلقة من «علي مبارك» يحتاج وساماً لتحمله هذا السفه الدرامي فأنت تشاهد مسلسلاً بلا مخرج، بالإضافة إلى السيناريو المفكك والأداء المترهل من الممثلين.
وجاء كذلك مسلسل «ناصر» مبددا لآمال العديدين سواء محبي عبد الناصر أو الرافضين له، وكما اعتدنا في الإنتاج المصري الذي يتعرف علي هذه النوعية من الأعمال الدرامية بأسلوب التنقيط، جاء العمل فقيراً إنتاجياً، بالإضافة إلى الأخطاء الواضحة في عدة أحداث.
وغير المنطقية في مشاهد غاية في البساطة، كمشهد ذهاب الطفل عبد الناصر إلى قبر أمه حاملاً زهورا بها «أوركيد وعصفور الجنة»، وأعتقد أن حالته المالية ولا المكان الذي تواجد فيه يبيع تلك الأنواع من الزهور، وهذا يدل على منطق «التعليب» الذي تتبعه الجهات الإنتاجية في مصر، مقارنة بالدقة في الإبداع السوري.
القاهرة ـ أسامة عسل

