لا تزال كتابات الفيلسوف «بيدبا» لها تأثيرات جمة على ترجمة الواقع، بالنسبة إلى بعض الإعلاميين، على الرغم من التكنولوجيا التي جعلت من العالم الواسع قرية صغيرة، يمكن من خلالها التعبير بكل ما يجول بخاطر أي فرد دونما مقص للرقابة.
ومع هذه القرية، يبدو أن الحكومات لم تعد ذات تأثير كبير في كبح حريات الأفراد، إذ ان مفهوم الحرية لا يزال فضفاضاً في قاموس المصطلحات التطبيقية في العالم العربي..
وعليه عمد بعض الإعلاميين إلى إيصال أفكارهم بإيجاد كلمات تحمل معاني عديدة، ومنها «قلم رصاص» الذي يقدمه الإعلامي المصري حمدي قنديل، فهل كان هذا البرنامج قلماً لمتابعة خط الأحداث أم هو رصاصة تطلق لتدق ناقوس الصلاة على من مات، أو جرساً يدق ليستفيق معه الساهون.
يقول قنديل: «على مدى مسيرتي الإعلامية، كان لقراءات الصحف وقع مختلف في خلجات نفسي، وحاولت أن أترجمها على ارض الواقع من خلال إطلاق برنامج يلقي الضوء بلغة بسيطة وسهلة على آخر مستجدات الواقع العربي من خلال الصحف اليومية التي تنشر في الدول العربية أو في العالم الغربي ولها علاقة بطريقة أو بأخرى لاستقراء ماذا حدث في القضايا العربية؟ أو ماذا سيحدث؟
وانطلقت هذه الفكرة في بادئ الأمر للوصول إلى المشاهد البسيط الذي لا يقرأ الصحف اليومية، لأسباب متعددة منها على سبيل المثال لا الحصر الجهل بالقراءة والكتابة، أو لاعتبارات مختلفة تتعلق بعقلية بعضهم، وحاولت من خلال هذا البرنامج إلقاء الضوء على الأحداث والتعامل مع المشاهد العربي، وكأننا نجلس في غرفة المعيشة.
ونتبادل عناوين مطروحة في ذلك اليوم. وعلى الرغم من أن القائمين على التلفزيون، كانوا يظنون أن المشاهد العربي يحتاج إلى المرح والتنطيط فقط، وأننا شعب لا يقرأ، إلا أن هذه المقولة خاطئة، وهذا ما يمكن لمسه في ردود فعل المشاهد العربي على البرنامج الذي حمل مضمونه قراءات للصحف.
حكومات وانتقادات
وكشف قنديل عن أن بعض الحكومات العربية، لم تقف مكتوفة الأيدي على بعض الانتقادات الصريحة التي كنت أعبر عنها في برنامج «مع حمدي قنديل»، أو برنامج «أقوال الصحف» في الستينات، والذي استمر بثه طوال تسع سنوات على شاشة التلفزيون المصري، ومنها حادثة معروفة مع الرئيس السابق جمال عبد الناصر، بينما كنا نعد الحلقة السادسة من برنامج «أقوال الصحف» عندما جاء وزير الإعلام المصري ليقول لي، «استرح».
وهذه الكلمة كانت تعني أن أترك التلفزيون، وفعلا فعلت ذلك، وذهبت ثلاثة أيام للاستجمام، وبعدها فكرت لماذا ارتاح؟ وذهبت إلى مكتب الرئيس الراحل عبد الناصر لأعرف وجهة نظرهم وبينت وجهة نظري، وعدت وأكملت البرنامج الذي ساعد في زيادة ثقتي بقدراتي الإعلامية، وكان له تأثير كبير جعل البرنامج أكثر جرأة من خلال طرح وجهات نظر مختلفة مع الصحافيين وإثارة الجدل بالنسبة للمعلومات المطروحة، والسخرية والتعليق على بعض الأخبار التي نشرت، بالإضافة إلى تحليل ما تم نشره خلال اليوم عبر الصحف.
قراءات للصحف
ورداً على سؤال عن السبب الرئيسي وراء ظهور حمدي قنديل، خلال مسيرته الإعلامية في إطار قراءات الصحف والتعليق عليها وطرح المستجدات، أجاب لماذا أجدد طالما هذا البرنامج يكون ناجحاً، ليس فقط من وجهة نظري، وإنما أيضاً من خلال استطلاعات الرأي العام التي تقوم فيها الجهات المسؤولة على بثه.
بالإضافة إلى أن هذا النوع من البرامج متجدد في مضمونه، لأن الأحداث اليومية التي يمر فيها العالم العربي متغيرة، وبالتالي لا تحمل أي نوع من الملل بالنسبة للمشاهد العربي، وإنما على العكس من ذلك تماماً، لأن المتتبع لمثل هذا المضمون من البرامج، سيكون على علم تام بآخر المستجدات التي مرت فيها القضايا العربية من وجهات نظر مختلفة ومتباينة، وبالتالي يمكن الوصول إلى جزء من الحقيقة ومعرفة الرأي والرأي الآخر، هذا من جانب أما من جانب آخر.
فإن برنامج قراءات للصحف على مر السنوات لم يختلف فعلاً من ناحية فكرته الأساسية، إلا أنه تضمن تغيرات طفيفة تختلف من محطة إلى أخرى، فقد تم إضافة كلمات مأثورة وأرقام الصحف. وتعليقاً على سبب نجاح برنامج «قلم رصاص» قال قنديل:» على شاشة قناة دبي أدركت أن نجاح الإعلام مرتبط بحرية التعبير والانتقاد البناء.
وعلى الرغم من أن قناة دبي حكومية، إلا أن هامش الحرية في النقد والسخرية واسع جدا يتفتح معه آفاق الإبداع والتطوير، وهذا فعلا ما تفتقد إليه حتى بعض القنوات الخاصة، بالإضافة إلى أن هذا البرنامج ساهم في نقاش آهات الشارع العربي ولم يقتصر على ذكر أمجاد الحكومات.
خفايا (قلم رصاص)
وأضاف قنديل قائلاً: «برنامج «قلم رصاص» الذي أعده وأقدمه، تبدأ تحضيراته مع بداية الأسبوع، من خلال التتبع اليومي لجميع القضايا المطروحة على الساحتين السياسية والاجتماعية التي تخص المشاهد العربي، والتي نشرتها الصحف العربية، وتبدأ معها وضع العناوين الرئيسية لتلك القضايا التي قد تستمر خلال أيام الأسبوع، وبعضها قد يستمر أشهراً كما حدث في قضية الترشيح للرئاسة في لبنان».
ويوضح قنديل قائلاً: (لغاية يوم الأربعاء لا أعرف ما المحاور الرئيسية التي ستدور في الحلقة التي ستبث يوم الجمعة، وعليه أشرع بقراءة الصحف التي أحرص على عدم التحيز لصحيفة معينة، لكن بحكم أن البرنامج يبث على شاشة قناة دبي فإن أول الصحف التي أتصفحها هي «البيان»، وبعدها الصحف المحلية الأخرى ومن ثم العربية التي أقوم بقراءتها بشكل عشوائي دونما تفضيل صحيفة على أخرى ومن ثم العالمية).
وعن السبب الرئيسي وراء تتبعه الصحف المحلية أولاً، يقول قنديل:» الصحف اليومية تعطي الإشارات الواقعية عما يعيشه الناس سواء من الناحية الاقتصادية أو الاجتماعية وحتى السياسية، وبعد الانتهاء من قراءات أهم الأحداث والقضايا الشائكة التي تهم الشارع العربي، يأتي وقت غربلة العناوين وطرحها.
وفي بعض الأحيان يوجد هنالك بعض الجدل في القضايا التي سيتم طرحها في البرنامج فنقوم بإعداد ملف بحث عن أصل القضية وتطوراتها التاريخية، ووجهات النظر المتباينة والمتشابهة للوصول إلى حقيقة الأمر».
وإذا كان قنديل يبدي إعجابه بكتابات بعض الصحافيين، إلا انه يسعي دائما إلى الموضوعية والحياد في طرح وجهات النظر في القضايا المطروحة على الساحة، إلى جانب أن بعضهم يستطيع الكتابة والتعبير والتحليل في قضايا مهمة، إلا انه لا يملك الجرأة للوقوف أمام عدسة الكاميرات، لذلك يتم استبعادهم في الفقرات الحوارية في برنامج «قلم رصاص».
دبي ـ فضيلة نجيب
