لا يختلف اثنان على أن الدراما هذا العام، جاءت في المرتبة الأخيرة، بسبب ضعف نصوصها ومحتواها الذي ابتعد عن الواقع الاجتماعي، وجعل المشاهدين يترحمون على أيام مسلسلي «نور» و«سنوات الضياع» اللذين أخذا المشاهد عبر أحداثهما إلى بيت العيلة، وجعلاه يعود إلى زمن الرومانسية، الذي افتقده في الأعمال الدرامية، وخيبت المسلسلات أمله، وأمل جموع كبيرة من المشاهدين.

ومن الواضح أن الكتابة للدراما، تحولت إلى «سبوبة» يحصد مؤلفوها الآلاف من الجنيهات، من دون النظر لتدمير وتسطيح عقل المشاهد، كما أصبح الاختيار للممثل النجم الذي وقع ضحية الملايين، ويطل علينا من شاشة التليفزيون.ويخرج لنا لسانه، ضارباً بأدائه واحترام محبيه عرض الحائط، بل أكثر من ذلك ظهر نجوم الصف الثاني والثالث محظوظين في أكثر من مسلسل ، ما جعل المشاهد يرتبك، ولا يميز أي عمل يشاهده، فخرجت جمل الممثلين مكررة وإيقاعها ضعيف وباهت ، و«زاد الطين بله» أسلوب التطويل.

ومن المؤكد أن هناك استثناءات لكنها وسط الغث، تقف غير متوازنة، وتحتاج إلى مساحة أكبر من الرصد والتحليل، منها مسلسل «هيمه» أو «أيام الضحك والدموع» كما أطلق عليها مؤلفها بلال فضل الذي صنع بمهارة كشكولاً لكل مشكلات الشباب من بطالة إلى عنوسة إلى فساد ومحسوبية واستغلال النفوذ. ومن الملاحظ أن «هيمه» ما هو إلا نموذج «هيرو» أو بطل شعبي لشاب مصري يتحمل كل «بلاوي الدنيا»، ومع ذلك ظل صامداً لا تفارقه الابتسامة، ولا يريد أن ينحرف، بل إن «لوكيشن» أو موقع الحدث «جزيرة الوراق»، ما هو إلا صورة مصغرة لمصر وسط بحار متلاطمة الأمواج تقذف «أجدعها شباب في أتخن بلد» في اليم وتغرقهم فلا صريخ لهم ولا دية».

وأجاد المخرج المحترف جمال عبد الحميد في تقديم صورة مؤلمة، ولكنها مغلفة بنفس ابتسامة البطل، مبهجة ضاحكة، ولكنها مريرة تحمل أسى على الوطن أكثر من الأسى على النفس، الممثلون استطاعوا أن يجذبوا الانتباه إليهم بدءاً من أحمد رزق ـ الذي لم يكن دوره بالمرة، ومع ذلك ملأه حضوراً وحيوية، ومروراً بعبلة كامل التي اقتربت كثيراً من شخصية فيلم «خالتي فرنسا»، وحسن حسني وريهام وصفاء وداليا وعلاء وضياء ومتولي وغيرهم..

مشكلة هذا العمل في توقيت عرضه، وتضاربه مع «قلب ميت» الذي يتشابه معه في مواقف غريبة جداً، قد تتعدى مسألة توارد الخواطر، وتطرح تساؤلاً عن الناسخ والمنسوخ ، فمن غير المعقول أن نرى البطل يلجأ إلى خاله على النيل، ورضا في «قلب ميت» يلجأ إلى «عم صابر» على النيل أيضاً، وهما نموذج واحد لرجل الحكمة والعقل، مع الصدر الدافئ للشاب الحيران، رغم أن شكل الرجلين في المسلسلين «تائهان» أكثر من البطلين، بل ان أسرة البنت الجارة في «هيمه» مشابهة لأسرة بنت «قلب ميت»، كما أن يوسف فوزي أربك المشاهدين في العملين، مرة طيب هنا، ومرة شرير هناك.

وبذلك أصبحت المسلسلات محرقة كبيرة للممثلين في هذا الموسم. ومن الأعمال التليفزيونية الرمضانية الحائزة على نسبة مشاهده عالية، مسلسل «أسمهان» الذي أثار الجدل قبل عرضه على الشاشة الصغيرة، إذ تعرض لمحاولات عديدة لمنعه، رغم حصول منتجه على موافقة أفراد عائلة أسمهان على تقديمه، لكنها كارثة مسلسلات السيرة الذاتية، والتي تحتاج بلا شك إلى موقف حاسم لمنع تكرارها.

السيناريو والحوار جاء من القصة الأصلية التي كتبها ممدوح الأطرش، احد أفراد عائلة أسمهان، وتولى كتابة السيناريو المخرج السوري نبيل المالح ثم المؤلف المصري بسيوني عثمان مرات عدة، بما في ذلك الرجوع إلى الوثائق والمراجع الفرنسية والانجليزية.

وبعض المستشرقين الذين تواصلوا مع أسمهان خلال حياتها، رغم ذلك لم يقدم لنا المسلسل عملاً وثائقياً بالمعنى المتعارف عليه، وإنما قدم كعمل درامي يجمع بين الصراع والشخصيات التي لها مشكلات، وعلاقات متشابكة منها الجيد والسلبي دون كذب أو افتراء.

الدراما أساسها الصراع، والمسلسل يلقي الضوء على شخصية «أسمهان» وحياتها بواقعية فنية أكثر منها واقعية حقيقية، كما أتاح السيناريو اختلاق شخصيات وظروف مع مراعاة عدم الإخلال أو الخروج عن الخط الأساسي للأحداث المهمة.

المخرج التونسي شوقي الماجري بذل جهداً كبيراً لخروج العمل بهذا الشكل الذي شاهدناه، واعتمد كثيراً على اللغة البصرية وسرعة الإيقاع، حتى الديكورات والأزياء والماكياج جاءت مناسبة للحقبة والفترة التاريخية من العشرينيات وحتى الأربعينيات، بالإضافة إلي التصوير في الأماكن الطبيعية الحقيقية ما أوجد جودة الصورة مع براعة الإضاءة.

كما استطاع السيطرة على الكم الكبير من الممثلين المشاركين وجعلهم يبذلون جهداً كبيراً، فجاء كمباراة تنافسية بينهم في التمثيل وخاصة سلاف فواخرجي وورد الخال وأحمد شاكر عبد اللطيف وأمل رزق ويوسف شعبان وفراس إبراهيم وعابد فهد، كما أن أغنيات العمل فيها جهد موسيقي كبير وواضح، وهذا ما يؤكد نجاحه وتميزه على العديد من المسلسلات الأخرى، فالعمل الجيد يفرض نفسه دائماً.

القاهرة - أسامة عسل