تهجين الدراما المصرية.. هذا المصطلح هو أفضل ما يمكن أن نستخدمه لوصف حالة الدراما التليفزيونية خلال عام 2008 والسنوات المقبلة، وحتى يقترب المعني للقارئ ـ التهجين هو مصطلح يطلق علي بعض العمليات الزراعية التي تستخدم بخلط مجموعة من البذور في التربة بهدف طرح الثمار في جميع فصول العام.

وهذه العملية لها من يؤيدها ولها من ينتقدها، خصوصا بعد أن ضاع المذاق الحقيقي لكثير من أنواع الفواكه والخضراوات حيث لم يعد نموها طبيعيا. هذه العملية انتقلت إلي الساحة الدرامية في العامين الأخيرين، بعد أن نجحت تجربة جمال سليمان من خلال مسلسل «حدائق الشيطان» في عام 2006 في جذب الأنظار بقوة، بل ووصلت إلي حد الإشادة بأدائه على حساب كبار النجوم المصريين الذين صادفهم سوء اختيار للمسلسلات التي شاركوا في بطولتها لنفس العام.

مفاجأة سليمان لم تقتصر على نجاحه عند عرض المسلسل، ولكنها امتدت لما بعد ذلك، حيث تحول المسلسل رغم عرضه الرمضاني إلي ظاهرة جديدة، بعد أن تسابقت الفضائيات فيما يشبه المزايدة علي شراء حق عرضه الثاني على قنواتها ليحقق المسلسل انتشارا عجيبا لم يحظ به مسلسل آخر، ومن هنا بدأت عمليات التخطيط للاستفادة من نظرية «التهجين» مضمونة النتائج ووجدت ترحيبا من كافة المهتمين بصناعة الدراما.

ولأن مصر هي صاحبة أخصب الترب الدرامية فقد تم اختيار تربتها لبدء العملية «الرابحة» التي تحقق للجميع أهدافهم بل إنها كانت بمثابة طوق النجاة للكثيرين، ففي الوقت الذي شهدت فيه السنوات الماضية انتقادات لاذعة وهجمات شرسة على صناع الدراما المصرية، عندما كانت النغمة السائدة والتي لا يزال يرددها البعض، هي انتصار الدراما السورية علي الدراما المصرية صاحبة التاريخ الطويل والرائد علي مستوى العالم العربي.

ورغم تأكيدات أهل الدراما من كيانات إنتاجية ومخرجين ومؤلفين وممثلين أن سوريا تميزت فقط بالدراما التاريخية التي أهملتها مصر بسبب تكلفتها العالية، بل يعتبر البعض أيضا أن أهم أسباب تميز الدراما التاريخية السورية عن نظيرتها المصرية، يعود إلى انحياز الأولى لرؤية المؤلف والمخرج بعكس نظيرتها المصرية، التي تستند بغالبيتها إلى صورة النجم، كما لاحظ البعض أن الموضوعية في مصر غائبة عن تحقيق مسلسلات تاريخية، فالعمل التاريخي ليس هو التاريخ، بل وجهة نظر صنّاعه.

وما حدث عام 2007 كان بمثابة اللغز الحقيقي علي مستوى الدراما بحيث بدأت الكيانات الإنتاجية التابعة للقطاع العام والخاص في التعاقد مع نجوم سوريا لصناعة الدراما المصرية، ولم يكن غريبا إذن أن تثار أقاويل حول أن الاستعانة بالسوريين كان الهدف منها هو تمصيرهم دراميا، وإبعادهم عن الدراما السورية المتفوقة بالفعل في محاولة لإقصائها، ولضرب أكثر من عصفور بحجر واحد الأول هو إغلاق ملف المقارنة.

والثاني هو استغلال هذه الأسماء «السورية» في عملية تسويق المسلسلات، لدرجة أن هناك من أكد أن الاستعانة بهذا الكم من الممثلين السوريين والعرب بناء على طلب بعض الفضائيات، التي قامت بتمويل المسلسلات في السر والعلن كشرط أساسي لشراء هذا المسلسل أو ذاك، في محاولة «ربحية» لجمع اكبر عدد من المشاهدين في العالم العربي لقنواتهم، وبالتالي تحقيق مكاسب إعلانية من مختلف الدول العربية.

وبعيدا عن الزوبعة التي أثيرت حول انتشار السوريين في الدراما المصرية وما تبعه من محاولات لإثارة فتنة فنية بينهم وبين المصريين، فإن التواجد السوري زادت كثافته في 2007، من خلال الممثلين تيم الحسن وجمال سليمان وسوزان نجم الدين وأيمن زيدان وجومانة مراد، والمخرجين حاتم علي ومحمد عزيزية ورشا شربتجي.

ويشهد رمضان هذا العام قمة «التهجين» من خلال تواجد عربي مكثف لأسماء إخراجية بارزة منها باسل الخطيب، رشا شربتجي، محمد عزيزية، شوقي الماجري، ونجوم ممثلين على مستوى سولاف فواخرجي، أيمن زيدان، نيكول سابا، رزان مغربي وآخرين.

هذه الظاهرة الجديدة فتحت الأبواب بقوة لكافة الممثلين العرب للانتشار في الدراما المصرية، الأمر الذي يشير إلي أن عام 2009 سيشهد منافسة ساخنة من نوع جديد بين الممثلين والمخرجين العرب والمصريين على زعامة الدراما المصرية ـ ومن خلال صناعة مصرية أيضا ـ .

ويلي ذلك سخونة ارتفاع مؤشر الأجور في بورصة النجوم، حيث يرى خبراء السوق الدرامي أن هذا التواجد العربي في الدراما المصرية، من شأنه أن يحدث انقلابا في أسعار النجوم ارتفاعا وهبوطا، مما يعيد رسم خارطة الدراما في العالم العربي.

القاهرة ـ أسامة عسل