أهم ما يميز دراما رمضان هذا العام هو التنوع الكبير في موضوعاتها، ما أعطى انطباعاً عن اختلافها بشكل أضفى عليها سمة الجذب دون الإحساس بالملل، حتى في وجود العيوب الملازمة لدراما هذا الشهر، مثل المط والتطويل الذي يلجأ له النجوم بغرض توسيع مساحة أدوارهم، والحصول على أكبر وقت ممكن من ساعات العرض الرمضاني.
إلى جانب اتجاه البعض لتفصيل الأدوار، وهو ما أثبت فشله سابقا لعدة أسباب منها اختفاء السيناريست القادر على إلباس الشخصية الدور الملائم لها، ووصول نجوم الدراما إلى سن كبيرة لا يجدي معها استخدام أدوات الماكياج، وهو ما يتنافى مع تأدية هؤلاء النجوم لأدوار السن الصغيرة. رغم ذلك لم تسلم الدراما هذا العام من نمطية الأدوار المثالية، وإقدام الفنانين الكبار على تقديم الأدوار المثالية التي تظهرهم في صور ملائكة لا يقترفون الخطأ، وهو ما أفقد تلك النماذج مصداقيتها لدى البعض، وأظهرها في ثوب السذاجة المتناهية.
وليس أدل على ذلك من التصريح الذي أدلت به الفنانة سميرة أحمد حين أكدت أنها لن تؤدي أدوار الشر حتى لا يساهم هذا في تغير نظرة الجمهور تجاهها، وهو تصريح يفتقد للكثير من الموضوعية، فهذا إن دل فإنما يدل على أن نظرة الفنان للعمل الفني تقتصر على كونه أداة تقوم بتوصيل صورته الجميلة لجمهوره، وهو ما يتنافى مع دور الفن عموما من رصد وتشخيص ومحاولة إدراج الحلول للقضايا الراهنة بشكل موضوعي.
ملائكة الدراما : وجهة النظر تلك لا تقتصر على الفنانة صاحبة التصريح، بل إنها تمتد لتشمل الأغلبية الساحقة ممن يعملون في الدراما، ويحملون مسؤولية أعمال كبيرة، وهو الأمر الذي اعتبره البعض بمثابة ظاهرة تهيمن على مقادير الدراما في مصر. بنظرة سريعة إلى الأعمال الدرامية المقدمة الآن سنكتشف ما رمينا إليه، وذلك من خلال تجسيد هؤلاء لأدوار هي بعيدة كل البعد عن الواقعية، بل إنها تناسب صفات الأنبياء، فسميرة أحمد ويسرا وميرفت أمين دخلن هذا العام إلى الدراما من باب مفهومهن الخاص.
وبالتالي ظهرن بشكل ملائكي، وكأنهن مبعوثات العناية الإلهية لتخليص البشرية مما تعانيه، لذا فقدن مصداقيتهن، ولم يلتفت إليهن الجمهور، واحتلت أعمالهن مؤخرة سباق الدراما لهذا العام، ولم يشفع لهن مشوارهن الطويل مع الدراما، ولا حتى النجاحات السابقة لهن.
أيضا فإن مجدي كامل سار على نفس النهج في مسلسل «ناصر»، وإن كان ليس له يد في الأمر، ومسؤولية هذا تقع على كاتب المسلسل السيناريست يسري الجندي، الذي أظهر الزعيم جمال عبد الناصر دراميا، وكأنه مستحق للزعامة منذ طفولته.
وهي صورة نمطية يتوقعها أي شخص، بغض النظر عن انتماءاته السياسية، فساهم هذا في اتصاف الشخصية بالملائكية، ومداراة العيوب المعروفة بها، فأتى العمل مناقضا للواقع في بعض النقاط، مع أنه كان من المفترض التعامل بحيادية مع الشخصية، لأننا بذلك نؤرخ لتاريخ مرحلة على المستوى العربي.
مصداقية الأداء
على الجانب الآخر فإن الفنان يحيي الفخراني فطن لذلك المأزق جيدا، ولم ينساق خلف المثالية المفرطة، وتعامل مع الشخصية التي يؤديها، وهي شخصية شرف فتح الباب في المسلسل المعنون بنفس الاسم بشيء من الاحترافية، ليضعها في مكانها الحياتي بين الأحداث، فشرف رجل متدين يعيش حياته مع أسرته، يحب الخير للناس، لكنه ليس نبيا، وبالتالي معرض للإغراءات.
وهو ما جعله يقبل رشوة مقدارها 2 مليون جنيه نظير المكوث في السجن لبعض الوقت، فيكتشف بعد ذلك جرم ما اقترفه حين تظهر النتائج عليه وعلى أسرته، وهو الأمر الذي جعل المشاهد يلتحم بالأحداث، وينتظر ما سيحدث لأن الشخصية غامضة بالنسبة له، ومن الممكن أن تخطئ بعكس لو كانت الشخصية مثالية، حينها سيتوقع المشاهد الخطوة المقبلة للبطل باعتبار أنه لا يملك حلولا، وأنه ليس أمامه غير طريق الخير ليسلكه.
نفس الأمر تمسك به الفنان أحمد رزق حين أقدم على القيام ببطولة مسلسل «هيما» الذي كتبه السيناريست بلال فضل، فقدم شخصية حقيقية تعيش بيننا، وتعاني من الأمراض المستوطنة في بيئات مصر حيث تأثير الظروف الاقتصادية، وندرة سبل العيش، مما يتسبب في عدم الوفاء بالمستلزمات والمطالب الضرورية لتحقيق الحد الأدنى من الحياة الكريمة، ف«هيما» هو ذلك الشاب المقبل على الحياة.
والذي يصطدم بمفردات القسوة في الواقع، فينتج عن ذلك شعور حاد بالألم، واليأس، وسبب نجاح تلك الشخصية في رأينا أنها تعبر عن شريحة كبيرة يعيشون نفس العمر، ويعانون من نفس المشكلات، فكم من حاصل على مؤهل لا يستطيع الانتفاع به، ويدور كل يوم في فلك البحث عن مورد رزق، أو أي عمل شريف يقيه سؤال الناس، لكنه يصطدم بمصطلحات جديدة لم يكن يعرفها، مثل الوساطة والمحسوبية.
المعادلة الصعبة
في نفس القائمة يأتي الفنان شريف منير بمسلسله الجديد «قلب ميت» محققا المعادلة الصعبة، من النجاح الجماهيري وجودة العمل حتى إن كانت هناك بعض الملحوظات على استهلاك فكرته من قبل، لكن يبقى التوظيف الجديد مؤشرا كبيرا لتحقيق النجاح المطلوب.. شريف يؤدي من خلال هذا المسلسل دور «رضا أبوشامة» ذلك الشاب الذي يعيش في كنف أسرة فقيرة.
ويتشرب من كل أمراض الفقر المعروفة، ورغم تأكيد السيناريو وسيره في طريق أن ذلك الشاب يتصف بمواصفات خيرة، إلا أن نفس السيناريو أكد على أنه ليس معصوما من الخطأ، وأن الحاجة تستطيع إجباره على الذل، وبالتالي يقوم ببعض العمليات غير المشروعة، من أجل المساهمة في إيجاد حلول لأزماته وأزمات الآخرين حوله.
القاهرة ـ (دار الإعلام العربية)



