«الشرفاء ما ينفعش ينحرفوا.. ما يعرفوش.. وحتى إذا غلطوا مرة وجربوا مش حيفلحوا.. لأنو بيصبحوا زي الكومبارس.. منحرفين هفأ.. ضيعوا عمرهم وشرفهم عشان تلاتة تعريفة.. أو حتى شوية فلوس عبيطة مسيرها تضيع.. ويبقوا رقصوا على السلالم.. لا طالوا بلح الشام ولا عنب اليمن!!».
هذه المعاني وغيرها كلمات مأخوذة من أفواه نجوم العمل، تطرح بقوة في المسلسل الممتع «شرف فتح الباب» للمؤلف محمد جلال عبد القوي المشغول دوماً بقضايا الحلال والحرام.. ومن يتابع أعماله يجدها مليئة بالأخلاقيات وبث القيم والتقاليد، والتحذير من ارتكاب المعاصي والحفاظ على كيان الأسرة وتماسكها، وهو يؤكد ذلك على لسان أبطاله بآيات من الذكر الحكيم والأحاديث النبوية والحكم والأشعار. ورغم ما يمكن تلمسه من رائحة قيمة «المال والبنون»، خاصة فيمن سرق عشان أولاده (يوسف شعبان)، وفيمن حافظ على شرفه مع فقره (عبد الله غيث)، فنجح أولاده، لكن هنا قضية «شرف فتح الباب» شائكة أكثر.
وتناسب عصر العولمة الذي نعيشه، والازدواجية الهائلة التي نتعاطاها، مثل الذي يحافظ على صلواته ويرتشي، أو يمسك «السبحة» ويسير إلى طريق المكسب الحرام، ومن دون وخز ضمير أو لحظة إحساس صادقة مع النفس، يحجز بالفلوس المسروقة نفسها لأداء العمرة، أو يقذف بنفسه في أتون موضة «عبادة الأبناء» الجديدة.. فيصعب عليه أن يتركهم يكافحون مثلما كافح.. فيوفر عليهم التعب والشقاء، ويدخل هو نار جهنم وبئس المصير.
ويقدم مسلسل «شرف فتح الباب» لنا نموذجاً للموظف الشريف الذي تقرر خصخصة الشركة التي يعمل بها، واكتشف انه بعد سنوات من العطاء لن يحصل إلا على معاش ضئيل، وأن هذا المعاش لن يحقق به أحلام أبنائه، فيستقر في اعتقاده أنه تمت سرقة عمره بلا مقابل، فيقرر التلاعب في عهدته مقابل مبلغ كبير من المال كرشوة يدفعها إليه رئيسه في العمل.
وكان منطق تفكيره في ذلك أن هذا حقه بعد أن ألقت به الشركة في الشارع، ولم يكن هذا الموظف البائس الذي يتكرر نموذجه في الواقع المصري حالياً، يتوقع أن يدمر نفسه بالسجن 15 عاماً بلا استفادة له من هذا المال أو أحد من أبنائه الذين دمرهم أيضاً، خاصة بعد رفض الأم الإنفاق من هذا المال لأنه حرام.
الجديد في هذا العمل أن صفقة الرشوة معلنة خاصة أمام الزوجة التي رفضتها، بل رفضت التعاطف مع الزوج المحطم، وفي الوقت ذاته، حرصت على ألا تشوه صورته أمام أبنائه، والمسلسل يضع كل بيت وأسرة أمام هذا المطب في حوار عال مكتوب بحرفية رائعة، وردود أفعال مختلفة تتعامل حسب وجهة نظر كل منها مع الحدث بأسلوب يدفع إلى ضرورة المواجهة لمعرفة من الذي يحصد المكسب في النهاية.
«شرف فتح الباب» يمتعك بأداء يحيى الفخراني المتغير شكلاً ومضموناً في لعبة التمثيل المشوقة.. من حركة وإيماءة وخلجات تجسد الشخصية، وتعطي تصوراً فائق الجودة عن الدور يستحق عليها جائرة التمثيل التي حرموه منها العام الماضي لأسباب مضحكة..
حيث يبدع في أداء شخصية «شرف» مختلفاً عما شاهدناه له من قبل، وهو يستحق الرقم الضخم الذي يناله كأجر، لأنه قادر علي تجسيد شخصيات مختلفة بنفس المعايشة والعشق الذي يجعلك تصدقه، أما هالة فاخر فإنها تبدو جامدة وغير واعية لمأساة الأسرة، وربما يرجع ذلك لاعتراف الزوج لها بجريمته فصارت ردود أفعالها مختلفة، والجميع في تلهف لمعرفة ما الذي ستحصده، كذلك كانت ملامح بثينة رشوان تحمل قدراً كبيراً من البراءة والسذاجة.
في الوقت الذي كان يجب أن تتحلى فيه بنوع من المكر، خاصة وأنها رئيسة للشؤون القانونية في الشركة وكان يجب أن يرد على لسانها على الأقل عبارات تتساءل عن المختلس، ويبقى بعد ذلك الأبناء الذين أجادوا في أدوارهم بسلوكيات مقنعة، أما أحمد خليل فحدث ولا حرج فهو عبقري الأداء المتجدد، تحبه شريراً وشريفاً، بينما يأتي صوت مدحت صالح معبراً كالعادة في تيترات المسلسلات، والكلمات من بطن الأحداث، خصوصا تلك التي تعبر عن واقع الحال متمثلة في جملة «عيني عليك يا شرف، في دنيا فاقده الشرف».
وكانت كاميرات المخرجة رشا شربتجي واعية لإبراز ملامح الشخصيات وجو الأحداث، إلا أن المسلسل يعيبه بعض المط والتطويل في أكثر من حدث، منها الإعداد لعملية الاختلاس والسجن والجو البوليسي.. وهي مصيبة كل الحلقات الثلاثينية التي تصيب كل من يتابعها بالملل. دعونا مع الحلقات المتبقية، نستمر في متابعة أخلاقيات محمد جلال عبد القوي التي نفتقدها في مجالات كثيرة، ولكنه لا يزال يمسك بتلابيبها حتى آخر نقطة في مداد قلمه.
القاهرة - أسامة عسل

