المتابع للدراما المصرية في رمضان، يلاحظ تراجعاً ملحوظاً لعدد الفنانين السوريين المشاركين في هذه الأعمال خلافاً للمتوقع..

ففي حين كان يعتقد البعض مواصلة المد السوري ليصل إلى أعماق بعيدة في الأعمال الدرامية خلال هذا الشهر الكريم، فوجئنا بانحسار هذا المد، غير أنه ظهر في الأفق تيار من المخرجين السوريين يدخل إلى حلبة الصراع بقوة، ويسيطر شيئاً فشيئاً على مقاليد الدراما المصرية، وذلك بمشاركتهم في أكثر من تسعة مسلسلات دفعة واحدة. ومن بين هذه الأعمال مسلسل «ناصر» الذي يتناول شخصية الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، ويقوم ببطولته الممثل المصري مجدي كامل، ومن إخراج السوري باسل الخطيب، أيضا هناك المخرجة السورية رشا شربتجي فبعد مشاركتها العام الماضي في إخراج مسلسل «أولاد الليل»، تولت هذا العام إخراج مسلسل «شرف فتح الباب» بطولة يحيى الفخراني.

إلى جانب ذلك الظهور المميز للمخرج محمد عزيزية فظهوره هذا العام جاء مقترناً بالنجمة يسرا في مسلسل «في أيدٍ أمينة »، ومسلسل «طيارة ورق» للمخرج زهير قنوع، ومسلسلات أخرى أخرجها سوريون حضروا بقوة هذا العام. ومن المتوقع زيادة عددهم خلال الأعوام المقبلة، نظرا للإمكانات العالية التي يتمتعون بها، وإثباتهم لجدارتهم في الإخراج الدرامي، بالإضافة إلى تميزهم عن المخرجين المصريين بعدم المغالاة في مطالبهم المادية، وغير ذلك الكثير.. انطلاقاً من هذه الجزئية تحديداً، توجهنا إلى المهتمين بالدراما التلفزيونية، خاصة الرمضانية لمعرفة الأسباب الخفية وراء تواجد هذا الكم من مخرجي سوريا مقابل اختفاء فنانيها من الممثلين، وهل هذا في صالح المخرجين المصريين أم ضدهم.. وفي النهاية، هل أضاف المخرج السوري شيئا لدراما رمضان، أم أنه لم يقدم ما يعزز هذا التواجد؟

مؤشر للوحدة: الكاتب والسيناريست أسامه أنور عكاشة علق قائلاً: «إن انتشار وتواجد المخرجين السوريين في الدراما المصرية في صالح الثقافة العربية والوحدة الثقافية والفنية، وهذا هو الشيء الوحيد الذي نجح العرب في تحقيق وحدة وطنية من خلاله وهو «الفن».. فلاشك أن وجود هؤلاء المخرجين قد أثمر عن وجود عدد كبير من الأعمال الجيدة سواء في سوريا أم في مصر، وأعتقد أن أعمالهم في سوريا هي التي جذبت إليهم انتباه المنتج المصري الذي قرر الاستعانة بهم». ويوضح عكاشة قائلاً:» إن ذلك لا يعد تقليلاً من شأن المخرج المصري، بل على العكس من ذلك تماماً، فهو تبادل للخبرات والثقافات، وأتمنى أن نجد مخرجين من كل الجنسيات العربية يتشاركون في عمل مسلسلات في جميع دول العالم العربي، حتى يساعد هذا في توحد ثقافتنا العربية.

خلط الأوراق

أما المخرج أحمد صقر فيقول: «لا أعرف السبب الحقيقي وراء كل هذه الضجة والخلط بين الأوراق، لماذا أصبحنا الآن نفرق بين الأشقاء العرب.. هذا سوري الجنسية وذاك لبناني، فهذا الكلام غير منطقي بالمرة، وأنا عن نفسي أرى أن من يفصل بين فنان سوري أو لبناني أو مصري هو إنسان جاهل، ولا يصح أن نطلق عليه لقب فنان، لأننا اعتدنا منذ القدم على استقبال الفنانين العرب في أعمالنا كافة، وقد تعلمت هذا من الأجيال القديمة، بحيث أصبحت استعين بممثلين عرب في أعمالي كافة، لأن هناك أدواراً لا يمكن أن يقوم بها ممثل آخر سوى السوري مثلا أو المغربي، وفي حالة الاستعانة بممثلين مصريين لهذه الأدوار، فلن تأتي بالمطلوب منها، وأكون أنا المخطئ حينئذ، لأنني بهذا لن أكون مخرجاً.

من جهته يقول الناقد والسيناريست سمير الجمل: «أولاً، غياب الفنانين السوريين عن الدراما المصرية الرمضانية هذا العام جاء لخوف عدد كبير منهم المغامرة بأي عمل بغرض التواجد، ففضلوا الغياب هذا العام حتى يعثروا على النص الجيد بعد موجة النقد الشديدة التي واجهوها العام الماضي».

وتابع قائلاً:» لسنا ضد وجود فنانين من سوريا لأنهم يقدموا فناً جيداً جداً، والدليل على ذلك تواجد أكثر من مخرج سوري لهذا العام في عدد من المسلسلات، وقد تم الاستعانة بهم لما تشهده الدراما السورية من نجاح وتفوق في الفترة الأخيرة، وأصبحت المسلسلات التي يقدمونها سواء كانت اجتماعية أم دينية منتشرة على العديد من المحطات الفضائية المختلفة التي تحرص على عرضها، وبالتالي رأى المنتجون أن هذه فرصة من أجل التغيير والتفكير جدياً في تطبيق التجربة السورية في إخراج المسلسلات المصرية، وأعتقد أن تلك التجربة في طريقها للنجاح بنسبة كبيرة جداً، وهذا يظهر مع كل حلقة تقدم هذه الأيام».

إمكانات تكنيكية

المنتج جمال العدل منتج مسلسل «في أيدٍ أمينة» استعان للعام الثاني على التوالي بالمخرج محمد عزيزيه لإخراج المسلسل بعد تعاونهما العام الماضي في مسلسل «قضيه رأي عام» الذي أثار جدلاً كبيراً، فأكد أن قراره بالتعاون مع عزيزية مجددا أتى لالتزامه بمواعيد التصوير وعدم المغالاة الشديدة في الأجر، مثل معظم المخرجين المصريين الذين رفعوا أجورهم إلى مبالغ تخطت المليون جنيه من دون أي أسباب تذكر.

وأضاف قائلاً: «لا شك في أن المخرج السوري يتمتع بإمكانات تكنيكية جيدة، ويمتلك مهارات إخراجية عالية غير متوفرة في معظم المخرجين المصريين، بالإضافة إلى الطريقة التقليدية التي يعتمد عليها المخرج المصري، وهي أنه يقوم بتصوير المسلسل بثلاث كاميرات وهذه الطريقة تعتبر قديمة وتقليدية وتحد من أبعاد الصورة خلافاً للمخرج السوري الذي يستخدم كاميرا تصوير واحدة التي تتيح أبعاداً أفضل للصورة وواضحة تماماً».

وختم بالقول: «إذا سألني أحدهم ما إذا أضافوا شيئاً، أرى أنهم أضافوا أشياء كثيرة منها كما قلت موضوع الكاميرا الواحدة المستخدمة في عملية التصوير، وأيضا بعض التقنيات الأخرى الخاصة بالطبيعة الإخراجية».

غياب النجوم

من جانبه علق المخرج الأردني محمد عزيزية على غياب النجوم السوريين دفعة واحدة، مرجعا ذلك إلى موجة النقد الشديدة الموجهة لهم، وهو ما جعلهم يفكرون ألف مرة قبل الدخول إلى تصوير أي عمل في مصر، ليختاروا نصاً درامياً قوياً يستطيعون المنافسة به خلال شهر رمضان، كي لا يتعرضوا إلى مثل هذا الهجوم مره أخرى.

فلو كان العمل قويا وجيدا لن ينال أي هجوم، والدليل على ذلك مسلسل «الملك فاروق» الذي جسد شخصيته العام الماضي السوري تيم حسن، حيث لاقى المسلسل موجة من النقد الشديد للاستعانة بممثل غير مصري لتجسيد شخصية فاروق، وبعد أن عرض المسلسل لم يستطع أحد التحدث عن العمل، إلا بكل خير نظراً للنجاح الكبير الذي حققه بشهادة النقاد والمخرجين».

وأشار عزيزية إلى أن «غياب هؤلاء النجوم فرصة للبحث والتحضير لعمل جيد على غرار الأعمال التي قدموها في السابق، وحتى تخرج بشكل يجعل الجمهور يتذكر هذه الأعمال مرة أخرى ولا ينساها بمجرد انتهاء شهر رمضان».

سوريون اختفوا

في رمضان من هذا العام اختفى عدد كبير من نجوم سوريا الذين تألقوا في أعوام سابقة مثل تيم حسن الذي جسد شخصية الملك فاروق العام الماضي وحقق المسلسل نجاحاً كبيراً، وجعل منه نجماً راهن عليه المنتجون في أن يكون نجم المسلسلات في الأعوام المقبلة، لكن تيم لم يشارك هذا العام لانشغاله بأولى بطولاته السينمائية في مصر وهو فيلم «ميكانو».

كما يقوم أيضا بتقديم برنامج على شاشة قناة الٍقك في شهر رمضان، وكان تيم قد علق على هذا الغياب مبررا إياه بأن جميع الأعمال الدرامية التي عرضت عليه بعد «الملك فاروق» كانت غير جيدة، وأنها من الممكن أن تهدم النجومية التي حققها من خلاله، ففضل التأني في الاختيار والعودة بمسلسل قوي. على المنوال ذاته، يأتي جمال سليمان كأحد النجوم الذين غابوا عن الدراما المصرية أيضا نظراً للانتقادات الحادة التي وجهت له العام الماضي عن مسلسله «أولاد الليل» الذي جسد فيه شخصية تاجر بورسعيدي، ولم يحقق المسلسل النجاح المطلوب، وغاب سليمان أيضاً لانشغاله بالتحضير لأولى بطولاته السينمائية مع ليلى علوي في فيلم «سحر الشوق».

أما أيمن زيدان الذي قام العام الماضي ببطولة مسلسل «عيون ورماد» فشارك هذا العام بدور صغير في مسلسل» نسيم الروح» من بطولة مصطفى شعبان ونيللي كريم، فبعدما واجه مسلسله السابق حظاً سيئاً، رأى المنتجون أنه لا يستطيع القيام ببطولة مسلسل كامل وشارك هذا العام بدور صغير.

ومن نجوم سوريا الذين اختفوا أيضا عن شاشة رمضان جومانة مراد التي شاركت العام الماضي في مسلسل «ساعة عصاري» فقد تغيبت لانشغالها بتصوير دورها في الجزء الثالث من مسلسل «باب الحارة» الذي لاقى نجاحاً كبيراً ليس في سوريا وحدها، ولكن وصل هذا النجاح إلى القاهرة، وفضلت التركيز في هذا العمل حتى يحقق لها نجاحاً مضموناً عن المشاركة في أعمال أخرى غير مضمونة العواقب.

القاهرة ـ (دار الإعلام العربية)