رغم مؤشرات تألقها خلال الأعوام الماضية إلا أن مسلسلات الرسوم المتحركة غابت هذا العام بشكل ملحوظ عن شاشات التلفزيون، فالمعروض منها خلال شهر رمضان هذا العام لا يتعدى أصابع اليد الواحدة مثل «سوبر هنيدي»، مسلسل فريج، شعبية الكارتون، ومناحي، بسنت ودياسطي»، وهو ما يعنى تراجع هذه النوعية من المسلسلات التي كثيرا ما أثرت في الجمهور.

والمتابع لمسلسلات الرسوم المتحركة يجد أنها وعلى مدار فترة طويلة ارتبط ظهورها بشهر رمضان خاصة بعد الشهرة العريضة التي حققها مسلسل «بكار» الذي توقف عرضه منذ عامين تقريبا نظرا لبعض الظروف الإنتاجية، ومنذ هذا الوقت تحديدا لم ير الجمهور العربي عملا واحدا من أعمال الرسوم المتحركة استطاع أن يجذب الجمهور. إضافة إلى ذلك لم يظهر عمل عربي يكون قادراً على منافسة الأعمال الأجنبية خاصة الأميركية منها مثل «ميكي، توم وجيري، أليس في بلاد العجائب» وغيرها من الأعمال التي مازلنا نشاهدها إلى الآن. كل هذا دفعنا لمعرفة السبب في ضآلة الأعمال المعروضة لهذا الشهر، وأهم الأسباب وراء عدم تواجد العرب على خريطة الرسوم المتحركة في العالم، وهل نمتلك بالفعل رسامين ومخرجين قادرين على صنع نجومية للإعمال الكرتونية العربية؟.

طور الهواية: البداية مع رسام الكاريكاتير الشهير د.أشرف حمدي الذي قال: أعتقد أن معظم ما يقدم خلال شهر رمضان ويعتبره البعض من نوعية هذه المسلسلات لا يمت للاحتراف بصلة، ومثال على صحة كلامي المسلسل الكارتوني «بكار» حيث أرى أنه يعد سقطة في تاريخ الرسوم المتحركة في مصر بل الوطن العربي بأكمله من أول الطريقة التي تم تقديمه بها مرورا بالاستسهال أثناء عرضه وشكل التحريك الذي ظهرت به الشخصيات، وأيضا الكثير من الأشياء الفنية التي تعد سقطة لكتابه وصانعيه في الأساس.

ويضيف: أعتقد أن معظم التجارب التي قدمت قبل بكار من أفضل البرامج الكارتونية لكوني أرى أنا ومعظم المتخصصين أن من قاموا بعمل «بكار» لا يفقهون شيئا عن الرسوم المتحركة والكومكس نهائيا. أما المسلسلات التي تقدم الآن فأرى أنها من الأعمال الممتازة جدا ومن هذه الأعمال مسلسل«ساعة لقلبك» كونه ظهر بشكل رائع وبشهادة الكثير، والتكنينك الذي ظهر به عالٍ جدا، وأيضا اعتماده علي حقائق وأشياء فنية بحتة.

صفر على الشمال

وعن فكرة قيام العرب بعمل سلسلة كارتونية تشبه مسلسل «شٍُ ک تمْى» وتغزو العالم قال حمدي: أرى استحالة حدوثها، ولكن يفكر بها الكثير من صانعي الرسوم المتحركة الآن، وأعتقد أن السبب في هذا يرجع إلى التكلفة الكبيرة وأيضا الوقت حيث تحتاج تلك المشاريع إلى وقت وفير، وهذا ما يكون ضد قناعات المنتجين في مصر حيث يرون أن الوقت كالسيف، ويجب أن يتم انجاز العمل للحاق بشهر رمضان حتى ولو كان هذا العمل تافها، وبمعنى أخر يريدون عمل مسلسل كارتوني تجاري وليس فنيا كما يفعل الكثيرون في الدول المتقدمة.

أما عن وضع وموقع الكارتون العربي على الخريطة العالمية فيرى حمدي أنه صفر على الشمال، ولكن في نفس الوقت يوجد مصممون عرب يكونون قادرين على عمل هذا خصوصا أن جميع المقومات متوفرة، أضف إلى ذلك كم الكتب الرهيب الذي نمتلكه عن مثل هذه النوعية من المسلسلات.

ولكن هنا يلعب الاجتهاد لعبته حيث لا يوجد من يجتهد، إلى جانب عدم الاهتمام واللامبالاة من المنتجين أيضا لأنه بصراحة لا يوجد أحد يحلم بعمل هذا والجميع يرى الكارتون مجرد «مشروع تجاري» لابد أن يجني الملايين، وهذا السبب الرئيسي في عدم وصول أي مسلسل كارتوني إلى أنحاء العالم حيث يقتصر على مصر وبعض الدول العربية فقط.

صناعة محلية

«أحمد فوزي» أحد مخرجي هذه النوعية من المسلسلات يقول: الرسوم المتحركة أصبحت مهددة بالانقراض، خاصة في ظل الموجة الغريبة التي تجتاح الدول العربية من هجمات للرسوم المتحركة الغريبة في أفكارها وقيمها التي تمتلئ بها عقول الأطفال، وهى بعيدة تماما عما نسعى لترسيخه من قيم في عقول أطفالنا، خاصة أنها تعتمد على الإبهار الذي تخلو منه أعمالنا، لذلك كان ما قدمته القديرة منى أبو النصر «بكار» بمثابة إعجاز حقيقي.

نظراً لأنه نابع من البيئة المصرية وشعرنا معه أنه شخصية حقيقية من لحم ودم كما يقولون، وما زاد من إبهاره انه يقدم رسالة حقيقية ويرسخ قيم أصيلة، ومنذ رحيل المخرجة منى أبو النصر توقف العمل تماما لافتقار القائمين على الرسوم المتحركة القدرة على الإبداع وابتكار شخصيات تستطيع جذب الأطفال حولها كما حدث مع بكار.

يضيف فوزي: أرى أن موقع العرب في الرسوم المتحركة على الخريطة العالمية لا يساوي شيئا ولا ينجذب له أحد، أيضا لا يترك بصمة واضحة نهائيا وإذ حدث يكون داخل مصر فقط وبعض الدول العربية، والدليل على صحة كلامي أننا قدمنا الكثير من الأعمال الكارتونية لكنها لم تلق رواجا إلا داخل النطاق العربي حيث إننا لم نفعل شخصية مثلا مثل شخصية «ميكي» التي غزت العالم كله حتى بعد مرور أكثر من خمسين عاما على تقديمها، ولكنها موجودة حتى الآن ويستمتع بها الجمهور كبارا وصغارا.

وعلى الرغم من ذلك يقول مخرج الرسوم المتحركة: أعتقد أننا نمتلك القدرة على تصميم مسلسلات كارتونية تغزو العالم ولكن ينقصنا الاجتهاد، كما أريد توضيح أن حب معظم المنتجين للمال دفعهم لتقديم أشياء لا يعلمون مغزاها أو مفادها ويعتبرونها مجرد مشاريع لابد أن تعود عليهم بالربح، ولا يهمهم شيئا عن قيمتها الفنية.

مرحلة متأخرة

محمود عبد القادر أحد مخرجي الكومكس يقول: بداية أنا غير متابع لأي أعمال كارتونية على الشاشة العربية نهائيا، وعن مسلسل بكار وما أحدثه من شهرة أرى أنه عمل عادي جدا مثله مثل سابقيه، إلى جانب أن هناك أعمالا أخرى في مصر وسوريا أقوى منه بكثير، لكن عوامل نجاح هذه التجربة كانت الانتشار الكبير والواسع الذي حققته أغنيته الذي كان يؤديها الفنان محمد منير وهي سبب شهرته الوحيدة .

أما عن مسألة قدرة العرب على عمل مسلسلات كارتونية تنتشر في شتى أنحاء العالم أعتقد أن هذا متوقف على وجود رسامين أكفاء وأرى أنهم موجودون بالفعل ويعملون في الكثير من المجلات الأجنبية العالمية، أيضا بالنسبة لمستوى التكنيك الموجود أعتقد أننا قادرون على تغطيته، ولكن المشكلة تكمن أساسا في عدة أشياء أولها كتَّاب السيناريو المنعدم وجودهم، وإذ وجدوا لا نجد مخرجين قادرين على تقديم سيناريو محترم مثل «ميكي، توم وجيري».

العائد المادي

أما الجزء الثاني من العقبات فيكمن في العائد المادي الذي يأتي للعاملين في تلك المسلسلات وأغلبهم مخرجين ورسامين وبناء عليه يتجهون إلى العمل في المجلات العالمية والأجنبية لوجود عائد مادي محترم بعكس ما يأخذونه من العمل في الرسوم المتحركة، الجزء الثالث هو أنه إذا حدث وأتى سيناريو محترم ستقف أمامه عدة عقبات أولها القيادات الموجودة في المحطات، حيث إنهم لن يوافقوا عليه لوجود تخيل قديم جدا لديهم عن الأطفال وعن نوعية الأعمال المفترض تقديمها، وبالتالي يتم رفض هذا السيناريو.

ويضيف عبد القادر: أما عن موقع الكارتون العربي على الخريطة العالمية لا يوجد سوى في مصر وسوريا فقط وحاليا دخلت الإمارات مجال التنافس أيضا، وإذ قررت عمل إحصائية فللأسف ستأتي الدول العربية في مرحلة متأخرة جدا، وهذا بالطبع يرجع لكوننا نقوم بتنفيذ الأفكار وفقا لأغراض إعلامية معينة وبالطبع لا أحد يقبل هذا، وبالتالي تعتمد القيادات على شراء مسلسلات من الخارج، لذا يتم دفن أفكار العرب ولا يسمع أحد عنها ولو بعد سنوات.

القاهرة - (دار الإعلام العربية)