يجسد المشهد الأول من الفيلم الوثائقي «الغزالي كيمياء السعادة»، ذلك المكان الذي نشأ فيه الغزالي، ومن هناك تبدأ الرحلة ليس في تفاصيل المكان، إنما في تفاصيل حياة الغزالي ومن عمق التاريخ تتوالى الأحداث، حيث ولد أبو حامد بن محمد بن محمد بن أحمد الغزالي في قرية «غزالة» القريبة من طوس من إقليم خرسان، في العام 450 هجري، 1058 ميلادي، ومن هنا جاء نسبه الغزالي.

عرض الفيلم الحائز على المركز الثالث في مسابقة أناسي لإنتاج الأفلام الوثائقية في مقر اتحاد كتاب وأدباء الإمارات في أبوظبي، كبداية تتناسب مع افتتاحية أمسياتهم الرمضانية، لما حملته شخصية الغزالي من قيم إسلامية وروحانية أثرت الحضارة الإسلامية. وجسد المخرج أوفيد سالازار السعادة عند الغزالي وهي عبارة عن تحصيل أنواع الخيرات المختلفة وهي خيرات خاصة بالبدن مثل الصحة والقوة، وجمال الجسم وطول العمر، وخيرات خاصة بالنفس وهي فضائل النفس: الحكمة والعلم والشجاعة والعفة، وخيرات خارجية وهي الوسائل وكل ما يعين الإنسان في حياته مثل المال والمسكن ووسائل النقل والأهل والأصدقاء، وأخيراً خيرات التوفيق الإلهي مثل الرشد والهداية والسداد.وفي أجواء جمعت الماضي بالحاضر، يظهر الغزالي ويقوم بدوره «جوربان نادجافي» في شبابه، مستندا على بعض الأشياء الظواهر لوضع مناهجه التعليمية، مثل الحواس التي من الممكن أن تقع فريسة الوهم، عندما يصدق الناس ما تقدمه ألعاب الخفة التي تحول العصا إلى أفعى حقيقية.

وتتوالى المشاهد ما بين أسلوب السرد، والأحداث التاريخية التي تكشف عن حياة هذا العالم الإسلامي الذي عمل كقاض في العراق، وتقلد منصباً في الكلية النظامية في بغداد بعد دراسة القانون واللاهوت في طوس ونيسابور، وهناك أصبح مدرساً مشهوراً ومستشاراً للأمراء، وفي أوج نجاحه، طغت عليه نزوة الشك، وأدت إلى عدم قدرته على الكلام، وهذا ما أدى إلى أن يدير ظهره للإنجازات الدنيوية واعتكاف حياة الصوفية، والترحال، وهو في حقيقة الأمر لم يعتزل الحياة الدنيا، بل هجر المغريات الزائفة في الحياة الدنيا.

وبعد عشر سنوات من العزلة، عاد الغزالي إلى عمله كمدرس وعالم، وألف كتابه الأهم «إحياء علوم الدين»، ويعتبر الكتاب الأهم في أصول الدين والعبادات والمعاملات، وقد صاغه بقالب من الحكمة العالية، إذ قالوا عنه إنه أبدع ما وضعه المؤلفون في الإسلام، بحيث لم يوضع مثله لا قبله ولا بعده، ولا يزال إلى اليوم مصدراً مهماً لطلاب العلم والفقه في العالم الإسلامي.

ألف الغزالي كتباً أخرى لم تصل إلى مستوى «الإحياء» مثل » المنقذ من الضلال»، و«المستصفى في أصول الفقه»، و«المنخول والمنتخل في علم الجدل»، و«تهافت الفلاسفة»، و«المقاصد والمضنون به على غير أهله»، و«الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى»، و«مشكاة الأنوار» كما ينسب إليه المؤرخون أبياتاً من الشعر.

أبوظبي ـ عبير يونس