هل نجحت مسلسلات سير المشاهير في تقديم معالجة موضوعية صادقة لشخصيات مشاهير الفن والسياسة والمجتمع، أم أنها سقطت في فخ التحايل والتجميل وأحيانا التحامل؟ في التحقيق التالي، محاولة لسبر تفاصيل هذه القضية:
أكثر من 12 مسلسلاً من مسلسلات السير الذاتية كانت مرشحة للظهور هذا العام، تتناول 8 منها شخصيات فنية، وشخصيتين سياسيتين، بالإضافة إلى مفكر، وآخر عن عالم، ومن المسلسلات التي ترصد حياة الفنانين، يأتي على رأس القائمة «أسمهان» الذي يعرض حالياً وتقوم ببطولته سلاف فواخرجي التي تؤدي دور المطربة الشهيرة الراحلة أسمهان.كما أن هناك مشاريع لازالت تحت الإعداد منها «أبو ضحكة جنان» الذي يتناول قصة حياة نجم الكوميديا الراحل إسماعيل ياسين بطولة أشرف عبد الباقي، والذي تعطل أكثر من مرة آخرها بسبب وفاة المخرج يس إسماعيل يس نجل الفنان الراحل، و«عوام بحر الغرام» الذي يتناول قصة حياة المطرب والفنان الراحل محمد فوزي والمرشح لبطولته مصطفى قمر.
فتى الأحلام
ولا يزال الفنان الشاب ياسر جلال يحضر لتجسيد شخصية النجم الراحل رشدي أباظة في مسلسل «فتى الأحلام» الذي يتناول حياة الفنان الراحل منذ مولده العام 1927 وحتى رحيله العام 1980، والمرشح لإخراجه يوسف شرف، ويتم تصويره بين مصر وباريس وروما وبيروت.
مسلسل آخر عن عائلة الأطرش يكتبه الناقد رفيق الصبان، ويتناول حياة الموسيقار الراحل فريد الأطرش، ومن أبرز المرشحين لتجسيده كل من المطرب السوري مجد القاسم والممثل المصري أحمد شاكر الذي جسد شخصية فريد في مسلسل «أسمهان» نظراً للتقارب الشديد بين ملامحه والفنان الراحل.
وتقرر أيضاً تحويل قصة حياة الصحافية والممثلة روزاليوسف إلى مسلسل تليفزيوني عن قصة للكاتب الصحافي محمد رفعت، لكن لم يتم البدء في تنفيذه حتى الآن، وقد رشحت الفنانة اللبنانية مادلين طبر لبطولته لكونها صحافية قبل أن تكون ممثلة.
حيادية التناول
إلى ذلك، أكد المخرج إسماعيل عبد الحافظ أهمية دراما السير الذاتية، مشيراً إلى أنها تلعب دوراً مهماً في ربط الأجيال الجديدة برموز أثروا المجتمع بعطائهم سواء في الفن أم السياسة أم التاريخ، مشدداً على الأهمية القصوى لالتزام الحياد والموضوعية في تناول هذه الأعمال، فلا نظهر من يتناولهم العمل كما الآلهة المنزهين عن الخطأ، كما لا نتحامل عليهم أكثر من اللازم وفقاً لأهواء أو أغراض شخصية.
وفي هذا الصدد، أشاد عبد الحافظ بمسلسل «ناصر» ،مؤكدا أنه لا يتخذ أي موقف متحيز من أي حدث أو شخص، والأحداث تدلل على إنصاف كل الأطراف بما لها وما عليها وفق مصادر مؤكدة وموثقة.
ومثلما يعتمد المسلسل على شخصيات معروفة تاريخياً، يعتمد أيضاً على شخصيات مبتدعة من واقع وملابسات كل مرحلة، بما يعبر عن شرائح وفئات وطبقات المجتمع وفق ما كان عليه وما جرى فيه من متغيرات انعكست على الجميع، كما أن المسلسل مهتم بشكل تلقائي بالرد على أسئلة مازالت تثير الجدل مثل موقف الثورة من الرئيس محمد نجيب.
وحقيقة ما جرى في أزمة مارس 1954م، وطبيعة علاقة جمال عبدالناصر بعبدالحكيم عامر، وحقيقة وأسباب ما حدث في يونيو 1967، وأيضاً الأحزاب القديمة في دورها قبل الثورة ثم علاقتها بالثورة، خاصة جماعة الإخوان المسلمين، وحقيقة حادث المنشية، كل ذلك رجوعاً إلى ما توفر من معلومات موثقة جمعها المؤلف يسري الجندي.
إفلاس وعجز
على النقيض من ذلك، هاجم المخرج أحمد خضر الزيادة المطردة في مسلسلات السير الذاتية، مشيراً إلى أنها تدل على إفلاس كتَّاب الدراما الذي عجزوا عن ابتكار قصص جديدة تتناول ما يموج به المجتمع من قضايا عديدة، ومؤكداً في الوقت ذاته عدم ممانعته في تناول سير المشاهير، إلا أنه شدد على أهمية أن يتم التناول بشكل جيد حتى تستفيد منها الأجيال الجديدة، لافتا إلى أن هناك كثيرا من الشخصيات لا تستحق أن يقدم عنها مسلسل درامي.
وإن استحقت ففيما لا يزيد على 7حلقات فقط، إلا أن المنتجين يستغلون اسم الشخصية التي يقدم عنها العمل ويكلفون المخرجين بمط الأحداث، وحشر أحداث أخرى لا علاقة لها بالواقع لتحقيق هذا الغرض، لافتا إلى أن شخصية مثل محمد عبد الوهاب لا خلاف على كونه موسيقاراً كبيراً، إلا أنه لا يستحق تقديم مسلسل عنه، لأن سيرته ليست دسمة دراميا.
وتقديم مسلسل عنه يعتبر محاولة لاستغلال اسمه، والتربح من ورائه، ما يؤكد أن كثيرا من هذه المسلسلات تعتبر تجارة يروج لها المنتجون بأسماء النجوم، بينما شخصية أخرى مثل أسطورة الكوميديا الراحل إسماعيل ياسين لا خلاف على ثرائها درامياً، وتستحق أن تجسد، إذا التزمت الحيادية في ذلك.
مشروع تاريخي
من جهته، يشير الكاتب محمد السيد عيد مؤلف مسلسل «علي مبارك»، إلى أنه غير مهتم بالكتابة عن الشخصيات السياسية، نظراً لاختلاف التيارات السياسية حول طريقة تناولها، لكنه لا يخفي شغفه بتناول سير المفكرين والعلماء من خلال أعمال درامية، لأنهم باعتقاده الفاعل الحقيقي في تطوير وتحديث الحياة المصرية.
وفي هذا الاتجاه أكد محمد السيد عيد أنه انتهى من كتابة مسلسل يتناول قصة حياة العالم المصري مصطفى مشرفة، والذي ستخرجه إنعام محمد علي، موضحا أن كثيرا من التفاصيل لم يجدها في الكتب التي تناولت حياة العالم الراحل مثل تفاصيل حياته الأسرية.
فتحدث مع ورثته، كما استعان بصفة خاصة بالرأي العلمي للدكتور عادل مشرفة ابن شقيقه وهو أستاذ في الرياضيات، مشيرا إلى أن المسلسل يأتي ضمن مشروع بدأه منذ فترة مكون من خمسة أعمال لخمس شخصيات الهدف منها تقديم تاريخ مصر الحديث بداية من العام 1800م، وحتى عصرنا الراهن.
السياسة تكسب
أما السيناريست بشير الديك كاتب مسلسل «سامية فهمي» الذي يتعرض لحياة عميلة المخابرات المصرية سامية فهمي، فيؤكد أن ارتباط الشخصيات السياسية بحياة الناس جعل حياتهم على درجة كبيرة من الأهمية تشجعنا لتقديمها، لأنها تعتبر عرضاً للواقع السياسي والاجتماعي للبلد بشكل عام، خلافاً لمسلسلات السيرة الذاتية التي تعرض لحياة الفنانين، ومن هنا يظهر الفارق الكبير بين مسلسلات النجوم والسياسيين، حتى لو كان للفنان دور سياسي مثل أم كلثوم، لكن في النهاية هذا جزء من حياتها وليس كل حياتها.
وأشار إلى أن المشكلات التي تعرضت لها مسلسلات المشاهير مع الورثة كما في مسلسل «أسمهان» لا نجدها بأي حال من الأحوال في مسلسلات السياسيين، لأنها تحكمها ظروف أخرى بعيدة عن أجواء الإثارة والفضائح المرتبطة بحياة الفنانين، فعلي سبيل المثال سامية فهمي على الرغم من أن بطلته الحقيقية مازالت على قيد الحياة، إلا أنها لا تملك الاعتراض على المسلسل، لأنه مأخوذ عن رواية مطروحة في السوق قبل 30 عاماً.
بالإضافة إلى أن الرواية مأخوذة من واقع ملفات المخابرات المصرية التي تملك حق الاعتراض أو الموافقة على تقديمها، مضيفاً أن شخصيات السياسيين تحمل عناصر جذب تجعل أي شخص يقبل عليها دون تردد، خلافاً لحياة النجوم.
وعن رأيه المحايد في مسلسلات السير الذاتية، بعيداً عن كونها تتناول فنانين أم سياسيين أم قادة تاريخيين وعلماء، يؤكد الديك أن هذه المسلسلات فيها كثير من السلبيات وقليل من الإيجابيات.
ويوضح قائلاً:«حين يتم التعرض لشخصية سياسية مثل السادات مثلاً في مسلسل عن جمال عبد الناصر، نجد أنه يبدو شخصاً ثانوياً مجهولاً، بينما نجد الأمر معكوساً كما رأينا في فيلم «أيام السادات»، حيث ظهر عبد الناصر مهمشاً وكأن دفة الأمور كلها بيد السادات ذي الرأي الحكيم السديد على الدوام، وهذا يؤكد البعد التام عن الحيادية.
والتركيز على الشخصية كما لو أنها منزلة من السماء، لا يمكن أن ترتكب أخطاء كما كل البشر، هذا في حال كون وجهة النظر السائدة في العمل مع من تتناوله الأحداث، أما إن كانت ضده فنجدها تقوم بسلخه وتحقير أعماله، وهذا أيضاً بعيد تماماً عن الحيادية.. لذلك المطلوب أن يتم تناول السير الذاتية بمصداقية وحيادية بعيداً عن التجميل أو التحامل«.
خدمة ـ (دار الإعلام العربية)

