يروي العاملون مع المخرج الفنان حاتم علي أو شركاؤه في العملية الإخراجية، كما يطيب له أن يقال عنهم، إنه شديد الحرص على إنجاز عمله بحيث لا يترك مجالاً لأي خطأ مهما كان صغيراً أن يمر مروراً عابراً من دون أن يتنبه له ويصحح في مساره، الأمر الذي جعل منه على الرغم من هدوئه وقلة كلامه، شخصاً متطلباً أثناء التصوير، اعتاد عليه من يعمل معه واستاء منه من يجربه للمرة الأولى.

ولكن سرعان ما يعرف الآخر أنه يقف أمام خيال مخرج محترف، يمتلك «كاريزما» الممثل وعين الناقد. وهكذا، يمضي العمل الدرامي من دون أن يمر عبر فلتر ثلاثي الأبعاد، هو في النهاية جل ما يتطلبه العمل الفني الراقي.كواليس حاتم علي أثناء التصوير ليس كباقي المخرجين، وعلى الرغم من الهدوء الذي يطبع سلوكه وشخصيته، إلا أن أول ما يتضرر في جسده أثناء التصوير هو صوته لأنه يستعين به من أجل إيصال معلومة ما، إذ ينفد صبره من أن يقوم أحد مساعديه بإيصال وجهة نظره لذا تراه ينهض سريعاً. ويتجه للممثل كي يقول له افعل هذا ولا تفعل ذاك، وإن اضطر الأمر، فإن حاتم يخلع عنه عباءة المخرج للحظات، ثم يقوم بتنفيذ المشهد أمام الممثل بكل هدوء، وتراه يغرز يده في شعر رأسه وشعر ذقنه أحياناً، وهو ينتظر أن يفرغ من تنفيذ مشهد ما، ولا تغادر يده بحال من الأحوال سبحة سماوية اللون، نحسب أنها ترافقه كي تمتص توتره وقلقه، وهو لا يتخلى عنها أو عن سيجارته في معركته الآنية مع مشاهد الدراما التي تشاكسه وتتعبه، وهو يقبض على مفاتيحها.

وأغلب الظن أن حاتم علي لا يصل إلى النتائج التي يريدها سريعاً، ولذلك يدخل في جدال هادئ مع العاملين معه ومع طاقم مساعديه كي يفهموا ما يريده تنفيذه، ولا بديل عن تنفيذ ما يريده، وألا تطول السهرة حتى الصباح حتى انتهاء التصوير.

تلك التفاصيل عن حاتم علي، يجيد روايتها أحمد الأحمد مدير تصويره أو مساعده علي العلي أو المثنى صبح الذي أمضى معه وقتاً طويلاً.

«صراع على الرمال» مفصل جديد في أعمال حاتم علي، ويحمل الرقم 10 بين أعماله الدرامية التي قدمها منذ عشر سنوات وحتى الآن، وقدمته كأحد أبرز المخرجين العرب المهمومين بتقديم أفضل ما لديهم، وفي معركته مع التميز لا يقبل علي بأقل من الرقم الأول في سباق الابداع وقد حصل عليه.

وربما من أجل هذا الأمر اختاره صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم مخرجاً لعمله الملحمي الضخم «صراع على الرمال» الذي بني من خيال وأشعار سموه، ونحن نتابع هذا العمل على شاشة دبي مساء ندرك أهمية هذا الخيار ودقته، ونعلم ان هذا العمل يقف خلفه صانع من طراز رفيع.

واذا كانت ثمة محطات هامة في مسيرة حاتم الإخراجية مثل «صلاح الدين» الذي قدمه مخرجاً للأعمال التاريخية الكبيرة، أو «التغريبة الفلسطينية» التي قدمت رؤية مغايرة عن حياة شعب عانى التشرد والقهر والحرمان، أو «صقر قريش» الذي عرف عنه أحد أبرز الأعمال العربية التي وثقت لمرحلة الأندلس.

أو «ملوك الطوائف» أو «الملك فاروق» وحكاية الملك الذي عرفه العالم عن قرب في الوقت الذي كان نائماً فيه بين دفاتر التاريخ المكتوب بصيغ عديدة.. خمس علامات فارقة بين عشرة أعمال، أية محطات تلك، هل تراه يتنقل بين القمم؟

ربما ولكن لا بد من القول إن «صراع على الرمال» هو واحد من تلك الذرى، وهو مرحلة هامة ونقلة نوعية لحاتم علي الذي نراه يقدم اقتراحات فنية غاية في الأهمية عبر بوابة هذا العمل، ونرى الجمال يحيط به من كل صوب وهو يمضي بين أحضان الطبيعة، ليرصد تفاصيل من حياة البدو، ترى أين كان كل هذا، ولماذا لم يعرف الجمال طريقاً إلى حياة البدو من قبل ؟

ثمة مساحات يجوز ان نتطرق إليها قبل انتهاء العمل، وواحدة منها هي اللون الذي يستخدمه مخرج «صراع على الرمال» في عمله استخداماً جديداً على الشاشة العربية لجهة علاقته بالشخصيات وبمزاجها وتكوينها الفيزيولوجي، لذا ليس من قبيل الاستعراض استخدام درجات الأحمر أو الأزرق أو الأسود أو الأخضر، وليس من باب الترف،، جعل حياة البدو في مناطق تنتعش فيها البقعات الخضراء التي لم يسبق ان رأيناها في عمل بدوي آخر.

وربما لم يسبق أيضا ان رأينا الثلج يتساقط بهذه الشاعرية قبل الآن وقد استفاد المخرج من ظروف الطقس المتنوعة التي مر بها العمل خلال أشهر تصويره، ويتوجب على ناقد العمل أن يلتفت إلى اقتراح متميز في الموسيقى التصويرية، وصوت حسين الجسمي المرافق الذي يخوض غمار الصحراء ومجاهل رحلات روائية ممتعة، وهو يؤدي أشعار صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم.

وفي لحظات تصمت الكاميرا لتنقل لنا صورة عائلة أو أفراد قبيلة، وكأن المشهد سيقفز من صورة متخيلة اعتمدها المخرج كحل فني ورغبة منه في تقريب المشاهد من الشخصيات والأحداث سريعاً خشية التباس الأمر عليه.

وماذا لدينا...ثمة الكثير مما يمكن أن يقال عن تميز هذه التجربة التي ترقب الناس تفاصيلها وقد بدأت رحلة العذاب، عذاب القلب والهوى وبؤس الشر وهو يرخي بظلاله على تلك القبائل، ونمضي معاً مع «صراع على الرمال» وقد اشتدت الحكاية وتوقف الثلج، وبدأت طبول الحرب.

دبي - جمال آدم