مع هذا الكم الكبير من المحطات الفضائية، يتابع المشاهدون يومياً عدداً كبيراً من الأعمال الدرامية التي تتنوع ما بين اجتماعية وسياسية وكوميدية ودينية، وبرغم هذا الكم الهائل في عدد الأعمال الذي يحسب للقائمين على الدراما، إلا أنه لا يعني بالضرورة تطور المضمون ولا معالجة قضايا جادة.
فكثيراً ما يمل الجمهور من كثرة المسلسلات المعروضة، أضف إلى ذلك كم المشاهد التي تقحم في السياق من دون داع وكم المط والإطالة فيها، لدرجة أنها باتت سمة رئيسية في أعمال رمضان، فإلى أي مدى تتكرر هذه الظاهرة في رمضان هذا العام وما أسبابها؟بداية، يؤكد الناقد أحمد رأفت بهجت أن معظم المؤلفين الآن أصبح لديهم نوع من الاستسهال واللامبالاة، وأصبحت لديهم تيمة واحدة يسيرون عليها ويكتبونها في 15 حلقة فقط، مستعينين في ذلك بعمل نوع من المد والتطويل في أحداث أي مسلسل درامي يقومون بكتابته بهدف شغل مساحة زمنية أكبر، إلى جانب إضافة شخصيات ثانوية لإرضاء المنتج الذي يطلب هذا المد في الأحداث، وهذا لا يقتصر فقط على مسلسلات صغار النجوم والشباب فقط، بل إنه يمتد إلى كبار نجوم الشاشة التلفزيونية أمثال الفخراني ونور الشريف الذين أصبحوا يصيبون المشاهدين بالملل.
النكهة التجارية
وتعزو الناقدة ماجدة خير الله الإطالة في الأعمال الدرامية، إلى أن المؤلفين أصبحوا يفتقدون إلى الخيال الواسع الذي بات وجوده لديهم محدوداً للغاية، لذا نرى ما يكتبونه لا يصلح إلا أن يكون مجرد قصص قصيرة، غير أنهم يقومون بإضافة أشياء وشخصيات ثانوية جديدة لإرضاء المنتج وسد الفراغات ليزيد المسلسل على الثلاثين حلقة، بعد أن كان في الأساس 15 حلقة مثلا، وغالبا ما تتم هذه الإضافات من المنتج أو المخرج، وأحياناً تصل إلى عمال البوفيه أثناء جلسات العمل، وفي النهاية يخرج المسلسل بلا هدف أو قيمة.
وقالت خيرالله :«أنصح المنتجين بالبحث عن القيمة الحقيقية وعدم الاستسهال، لأنه في النهاية لا يذكر التاريخ سوى الأعمال ذات القيمة الفنية، أما الأعمال ذات النكهة التجارية، فتنسى بمرور الوقت أو بمجرد الانتهاء من عرضها مباشرة».
حشو زائد
ويعتبر السيناريست مصطفى محرم أن ظاهرة «المط» أصبحت ثمة أساسية في المسلسلات، خصوصاً ما يتم عرضها خلال شهر رمضان، ويرجع هذا إلى كون المنتج لا يقتنع تماماً إلا بالمسلسل الذي يزيد على ال30 حلقة، لكي يتم عرضه خلال الشهر.
ويضيف قائلاً: «إن ذلك، يرجع في الأساس لكون المنتج يحتاج إلى الإعلانات التي تزداد خلال الشهر بشكل كبير، أما إذ كان المسلسل مختصراً فسيعود عليه بالخسارة، لكونه سينتهي في النصف الأول من رمضان». ويشير محرم إلى أن المؤلف أحياناً لا يلتفت إلى ضياع الشخصيات بإدخاله شخصيات ثانوية لا تعود بأي نفع على السياق، وتكون مجرد «حشو» حتى يرضى المنتج عن المؤلف، ويتعاون معه في أكثر من عمل».
طلبات المنتج
من جهته، بدأ السيناريست عاطف بشاي حديثه قائلاً: «لدي تجربة في مثل هذا الموضوع حدثت من قبل، حيث قمت بكتابة مسلسل وقدمته إلى أحد المنتجين، وكان هذا المسلسل عبارة عن 15 حلقة فقط.
وقد ركزت به في ضغط الأحداث لكي يظهر بالشكل المناسب من دون مط أو تطويل، إلا أنني فوجئت برفض المنتج للعمل قبل البدء بقراءته، وبمجرد معرفته بأنه يتضمن هذا العدد من الحلقات طلب مني أن أقوم بإعادة كتابته مرة أخرى، فيما لا يقل عن ثلاثة وثلاثين حلقة؛ لكي يظهر في النهاية على شكل ثلاث حلقات بعد عمل المونتاج الخاص به.
ولكن فوجئ هو الاخر برفضي الشديد لهذا المبدأ، لأنني أحترم تاريخي، ولا أقبل بالمزايدة على موهبتي، ولكني بعد فترة من ترك المنتج حاولت إعادة كتابة المسلسل مرة أخرى، فظهر العمل مقسماً على 40 حلقة كاملة، ولكنني رفضت تماما أن أقوم بتقديمه لأي منتج حيث وجدت أن المسلسل أصبح مهلهلاً».
وبسؤاله عن المط والتطويل في مسلسلاته وبالتحديد «السندريلا»، و«عمارة يعقوبيان» أكد بشاي أن الفيلم السينمائي يختلف تماماً في أحداثه عن المسلسل التلفزيوني من حيث تعدد الشخصيات ووجود الشخصيات الثانوية.
ويختم بشاي بالقول:« لا أسعى للمط أو التطويل، لأن «السندريلا» هو عبارة عن رصد للأحداث في حياة إحدى الفنانات سعاد حسني، أما بالنسبة ل«يعقوبيان» فهو عبارة عن قصة كتبها الدكتور علاء الأسواني، وقمت أنا بكتابة السيناريو والحوار من خلال القصة الأساسية، وهو ما لم يحدث في الفيلم السينمائي».
في النهاية، يبدو أن النجاح الساحق الذي حققه المسلسلان التركيان «نور» و«سنوات الضياع» واللذان تخطيا ال140 حلقة جعل القائمين على المسلسلات العربية يظنون أن المط والتطويل وزيادة عدد الحلقات عن المسموح به هو سر النجاح لأي مسلسل درامي متناسين بذلك كل الأركان السليمة التي تخرج بمسلسلات تلفزيونية ملحمية تظل في وجدان الجمهور، كما هي عادة المسلسلات المصرية.
خدمة - (دار الإعلام العربية)

