سؤال يطرح نفسه بين الحين والآخر، هل نحن مصابون بعقدة الحنين إلى الماضي؟.. وهل هذه العقدة هي التي تدفعنا للشعور بأن كل ما كان «زمان» فنياً هو الأفضل؟.. أم أن الواقع الإبداعي يعيش بالفعل حالة من التردي انعكست بصورة واضحة على الفيلم والأغنية، وحتى المسلسل التليفزيوني.
أعمال رمضان هذا العام دخلت سباقاً محموماً، مفتقدة بعض الجرأة في عناوينها، التي دارت في فلك القديم، مستندة إلى مقولة «من فات قديمه تاه» تاركة عامل جذب المشاهد، التي رأيناها العام الماضي في مسلسل «يتربى في عزو». وفي الأغنية الخاصة به والنجاح الذي حققته، إلا أن أسماء المسلسلات هذا العام لا تزال متمسكة بالنمطية، ولا تبعث أي جديد في ذهن المشاهد، فنرى، ثلاثة مسلسلات تجمع بين كلمة واحدة ومتمثله في الأعمال التالية، «قلب ميت» بطولة شريف منير وغادة وإخراج مجدي أبو عميرة. و«في قلب الخطر» بطولة ماجد المصري وإخراج عبد المنعم صادق، ومسلسل «جدار القلب» بطولة سميرة احمد وإخراج احمد صقر، وهي تيمة ليست جديدة على الدراما بشكل عام والتليفزيونية بشكل خاص في مسلسلات سابقة، مثل «قلب امرأة» لإلهام شاهين العام الماضي، وكذلك «عزيز علي القلب» لماجد المصري و«عادت القلوب» وغيرها..
ونشاهد أيضا في رمضان هذا العام ثلاثة مسلسلات تحمل اسم «قمر»، فهناك مسلسل «قمر» لفيفي عبده وإخراج هاني إسماعيل، ومسلسل «دموع القمر» بطولة نور اللبنانية ورياض الخولي وإخراج عصام شعبان، ومسلسل «قمر 14» بطولة تامر هجرس ومحمود قابيل وإخراج عصام الشماع، وهي أيضا أسماء متداولة قديما وكانت في أعمال سابقة كفيلم «قمر 14» بطولة كاميليا، ومسلسل «وجه القمر» آخر أعمال الفنانة فاتن حمامة التليفزيونية، وفيلم «قمر الزمان» بطولة نجلاء فتحي ومصطفى فهمي.
هذه العناوين والأسماء اعتاد عليها الجمهور، ومن السهل عليه أن يتوقع ما تحويه هذه المسلسلات، ولا تسبب له أي عنصر جذب أو تشويق لمشاهدة العمل خلافاً لمسلسلات مثل «الدالي» و«سكة الهلالي» و«امرأة في شق التعبان»، وغيرها التي تحاول جذب الجمهور، وتبعث في ذهنه تساؤلات عديدة تجاه الاسم، فإلى متى سوف نتجه للقديم بما يحويه من نمطية وتقليدية، وهل هذه المسلسلات لا يمكن أن يخرج من محتواها اسم أكثر إثارة وتشويقاً، خاصة وأنها تضم نجوماً كباراً ومضامين مختلفة ومتشعبة: يمكن أن يخرج منها ألف اسم؟
ومن الأمور الأخرى التي حدث فيها «هرج ومرج» هذا العام، «توهان» جنسيات المسلسلات التليفزيونية، باختلاف جنسيات نجومها مع جنسيات مخرجيها، وأصبح السؤال المتوقع طرحه، هل نطلق على المسلسل جنسية نجمه أم مخرجه؟
وفي استعراض سريع وبسيط، يمكننا أن نضع أيدينا على الجرح ونداويه، قبل أن يتقيح ويزداد سوءا، فمثلا مسلسل «أسمهان» تلعب دور البطلة النجمة السورية سولاف فواخرجي ـ وهو إنتاج مصري سوري مشترك ـ وفيه نجوم من مصر يوسف شعبان وكمال أبورية وطارق لطفي وسامح الصريطي وأحمد شاكر واحمد صيام، ومن سوريا يلعب دور زوج أسمهان الممثل عابد فهد ودور شقيقها فؤاد الأطرش الممثل فراس إبراهيم.. ومن لبنان تلعب دور أمها النجمة «ورد الخال» ومن الاردن «صبا مبارك».. وإلى جانب ذلك كله فالمخرج وهو شوقي الماجري تونسي الجنسية.
ثم مسلسل «شرف فتح الباب» الذي يلعب بطولته النجم المصري يحيي الفخراني ويشاركه البطولة هالة فاخر وأحمد خليل ومحمد لطفي وبثينة رشوان وتأليف محمد جلال عبد القوي.. هذا المسلسل من إخراج السورية رشا شربتجي، فهل ننسب المسلسل إلى المخرجة أم إلى اسم نجمه السوبر؟..
وفي الوقت ذاته، تلعب ميرفت أمين بطولة مسلسل «طيارة ورق» ويشاركها البطولة عزت أبو عوف وأسامة عباس من تأليف أيمن عبد الرحمن، وهو من إخراج السوري زهير قنوع.. فهل ننسب المسلسل إلى اسم المخرج ونتجاهل اسم البطلة صاحبة التاريخ الطويل في السينما المصرية؟، وأيضا يأتي مسلسل «في أيد أمينة» ـ الذي تلعب بطولته النجمة يسرا، ويخرجه الأردني محمد عزيزية ـ ليدفع في الاتجاه ذاته، ويؤكد التساؤل نفسه.
أما مسلسل «نسيم الروح» الذي يلعب بطولته مصطفى شعبان أمام نيللي كريم ومحمود الجندي وعمر الحريري، فيشارك في بطولته أيضاً النجم السوري أيمن زيدان ومعه الفنانة الأردنية صبا مبارك، وهو من تأليف الكاتب المصري يسري الجندي، فهل نتجاهل الاسم الكبير لأيمن زيدان، ونسند المسلسل إلى اسم مخرجه سمير سيف المعروف كمخرج سينمائي كبير، قبل أن يقدم على تجربة الدراما؟
أعتقد أن السيل الجارف من الإبداعات المشتركة والتي أفرزتها خارطة رمضان، هذا العام، سبب رئيسي في طرح مثل هذه التساؤلات، التي أبرزت الحاجة إلى التخلص من العادات القديمة، والبحث عن مفردات أكثر شمولية يوضع تحتها الفن دون معيار لجنسية نجم أو مخرج، خصوصا في عالمنا العربي، الذي يحتاج إلى إعادة صياغة وتنسيق لفضائياته التي طغى بريقها الدرامي على عيون المشاهدين، فأصابهم بالعمى وأصاب عقولهم بالتشتت والدوران من كثرة وكثافة المعروض.
دبي ـ أسامة عسل

