استحوذت «الفوازير» على عرش المشاهدة في رمضان منذ أن قدمها ثلاثي أضواء المسرح في الستينات مع بداية التليفزيون المصري، مرورًا بالمراحل التي قدمها سمير غانم وجورج سيدهم، بعد وفاة الضيف أحمد، ثم قدم سمير غانم لسنوات فوازير «فطوطة وسمورة».

كما قدمت النجمتان الاستعراضيتان نيللي وشريهان الفوازير لمواسم لاحقة، استطاعتا خلالها جذب أعين المشاهدين، حيث قدمت كل منهما أفكارًا جديدة.. إلى أن تنحى الجميع عن تقديم الفوازير لأسباب مختلفة.. فبدأت في السقوط من فوق عرشها، مع تقديم البعض فوازير رديئة لا تحمل أي معنى أو مضمون أو استعراض جيد.. فهل يمكن أن يعود لفوازير رمضان مجدها الآفل؟ يؤكد نجم الفوازير الأول سمير غانم أنه لم يبدأ الفوازير ب«فطوطة»، بل مع بداية التليفزيون سنة 1960، حينما قدم الفوازير الرمضانية (فوازير الثلاثي) مع جورج سيدهم والضيف أحمد، والتي كتبها حسين السيد وأخرجها محمد سالم. وكانت عبارة عن قصة تنتهي بسؤال.

موضحاً أن الفوازير توقفت بعد وفاة «الضيف أحمد» ثم قدمها مرة أخرى بعد فترة مع جورج سيدهم، ثم توقفت مع مرض جورج، وفي منتصف الثمانينات حمل غانم راية الفوازير بمفرده مع شخصيتي «سمورة وفطوطة» التي كانت من أنجح الفوازير على الإطلاق بشهادة الجمهور حيث جذب القزم «فطوطة» الكبار والصغار، وكانوا ينتظرون حلقاتها بفارغ الصبر. - لماذا توقفت؟ يقول سمير غانم: «لم أكرر التجربة في السنوات الأخيرة بسبب مئات الفضائيات المليئة بعناصر إبهار أخذت جانبًا كبيرًا من الفوازير التي كانت تعتمد في المقام الأول على الأمر ذاته، وكذلك الأفكار غير المسبوقة التي هي من الصعوبة الآن تحقيقها، وأيضًا اختلفت نوعية المشاهدين اليوم.

فمنذ عشرين أو ثلاثين عامًا كان المشاهد ينتقل بين قناتين أو ثلاث على الأكثر، أما اليوم فيمكنه التنقل بين ألفين أو ثلاثة آلاف قناة تقدم كل ما هو جديد وغريب أولاً بأول، وهذا يعني أن تقديم الفوازير الآن يحتوي على نوع من المخاطرة الكبيرة، لأن إنتاجها يتطلب ميزانيات ضخمة. - غياب الفكرة: نجمة الفوازير الفنانة الاستعراضية نيللي التي قدمت الفوازير طويلاً، وتركتها منذ سنوات. تقول: «إن مقدمة الفوازير لابد أن تتمتع بموهبة وقدرة على تقبل النقد الذي يوجه إليها، وأن تتعلم منه وهذا غير موجود الآن، هناك نجمات قد لا يتمتعن بالموهبة وإذا عُرض عليهن الأمر فإنهن يغالين في الأجور، وقد وصل أجر إحداهن إلى أكثر من مليون جنيه.

هذا إلى جانب أن الفكرة الجيدة التي يتقبلها الجمهور أصبحت غير موجودة، في ظل زيادة المنافسة بين الفضائيات العربية، وهذا يعني أنك يجب أن تبذل جهودًا مضاعفة لجذب المشاهد ومحاولة إبقاء مؤشر «الريموت كونترول» على القناة التي تبث الفوازير، أنا لست مع من يقول إن الفوازير راحت عليها، لأنها فن، والفن يجب أن يُطور نفسه ليواكب التطور التقني، وكذلك تطور أذواق المشاهدين».

التكاليف عالية

المغنية اللبنانية ميريام فارس التي كان من المفترض أن تقدم فوازير رمضان هذا العام 2008، ققالت إنها لم توفق مع مدينة الإنتاج الإعلامي، لأنها طلبت مليوني جنيه، وعللت هذا الطلب بأن هذا المبلغ يكفي فقط لشراء الفساتين اللازمة من الخارج لتأدية الدور، وهذه الملابس مهمة للنجاح في هذه التجربة، بالإضافة إلى موهبتها في الرقص، لكنهم رفضوا، ولا أستطيع وسط هذا الكم من التنافس أن أقدم عملاً دون المستوى.

حليمة تتحدى

النجمة الكويتية حليمة بولند التي وصل أجرها إلى خمسة ملايين دولار، بعد النجاح الذي حققته من خلال فوازيرها، التي عرضت على شاشة الرأي الكويتية وتعتبر أول خليجية تقتحم الفن الاستعراضي أكدت أنها مرت بمعادلة صعبة للموازنة بين كونها مذيعة وإعلامية ومطربة وممثلة وفنانة استعراضية، لكنها استطاعت أن تسخر الفوازير وفق شخصيتها العفوية التلقائية، فاستثمرت نجاحها كإعلامية لإنجاح الفوازير التي شكلتها بصبغتها الخاصة، مشيرة الى أن ذلك لم يمنع من تقمص شخصيات أخرى غيرت بها جلدها مثل فيروز وسميرة توفيق وأم كلثوم وريا وسكينة.

وبررت حليمة بولند اعتمادها على اللهجة المصرية، كونها الأكثر شهرة في الوطن العربي، قائلة: «كان هدفي الوصول بالفوازير إلى كل أرجاء الوطن العربي كأول فوازير خليجية من دون وجود عائق اللهجة، التي ربما تعتبر صعبة لدى بعض البلدان العربية، فاخترت اللهجة الأساسية لكل البلدان كوننا تربينا على الأفلام المصرية منذ الصغر.

وهذا أمر ليس بغريب، بدليل أن وردة الجزائرية وصابر الرباعي وسميرة سعيد ولطيفة ونانسي عجرم جميعهم يتغنون باللهجة المصرية، وبالفعل حققت ما أريد باتصال رئيسة التليفزيون المصري سوزان حسن بمخرج فوازيري وأشادت بها، وطلبت عرضها على التلفزيون المصري بالاتفاق مع «الرأي»، وهذا أكبر نجاح أطمح إليه».

ونفت بولند أن تكون سعت لمنافسة شريهان ونيللي قائلة: «أسعى لمنافسة نفسي فقط، أما شريهان ونيللي فهما مدرستان في فن الاستعراض والفوازير، أشاهدهما منذ طفولتي وأعجب بأعمالهما الرائعة، وها أنا كبرت لأصنع لنفسي خطًا خاصًا بي».

تكلفة الإنتاج

يقول المخرج أحمد البدري صاحب تجربة «عفريت مراتي»: الجهات الإنتاجية بيدها نجاح أو فشل الفوازير، لأنها التي تقرر حجم التكاليف، ومعروف أن الفوازير تحتاج إلى ديكورات ضخمة ومشاهد مختلفة وملابس ومكياج، ويمكن أن نستعين بمصورين من الخارج للقيام بعناصر تجذب أعين المشاهدين.

وذلك لأن عناصر الإبهار أصبحت منتشرة في الفيديو كليب، ففشل الفوازير يعود لعدم وجود عنصر جذب في ظل التقنيات الحديثة التي تحيط بالمشاهد عندما يرى التليفزيون، والمشاهد لا يقتنع بالملابس الملونة أو الرقص، إنما يبحث عن الجديد، لأنه من خلال الفضائيات يشاهد الجديد في كل لحظة».

من جهته، يرى المخرج السينمائي محمد خان الذي كان له تجربة في الفوازير لم يحالفها النجاح، مؤكدا «أن الزمان ليس زمن الفوازير لأن استعراضات التليفزيون تكون أكثر إبهارًا في الوقت الحالي من استعراضات الفوازير، لذلك أصبحت لا تجذب عين المشاهد، وإذا حاولنا تنفيذ ذلك في الفوازير سيكون مكلفا جدًا، وهذا ما ترفضه الجهات الإنتاجية».

ويتفق عاطف عوض «مصمم رقصات الفوازير» مع الرأي السابق للمخرج محمد خان بالقول: «قمت بتصميم العديد من الرقصات لشريهان ونيللي في فترة التسعينات، لكن هذه الأيام أصبحت الفوازير تحتاج إلى موهبة استعراض غير موجودة الآن، هذا إلى جانب إننا نعيش الآن في زمن غير الزمن، فقد ولى زمن الروقان، بجانب أنه لا توجد نصوص غنائية جيدة والنصوص الموجودة حاليًا تعتمد على الإفيه، والسبب الآخر لفشل الفوازير هو عدم وجود جهات إنتاجية تمولها لأنها مكلفة جداً من حيث الملابس والديكور والاستعراضات وأجور النجوم التي وصلت إلى الملايين.

الفكرة والنجمة

يعزو الناقد رفيق الصبان تراجع شعبية الفوازير، إلى تعود المشاهدين على وجوه معينة ارتبطت بها كل عام، مثل الفنان الراحل فؤاد المهندس أو عبدالمنعم مدبولي وشريهان ونيللي، وقال: «لا أنكر أن هناك جهودًا بذلت في الأعوام الأخيرة لإنتاج فوازير ذات قيمة ومستوى عال مثل «فوازير غادة عبد الرازق» منذ خمسة أعوام مع مدحت صالح، وفوازير «عفريت مراتي» التي قدمها سعد الصغير مع دينا، لكن الجمهور لم يتقبلها لأنها كانت تعتمد على الإفيه الضعيف واستعراضات تعتمد على البطلة، واعتماد البطلة على شكلها فقط، وكانت مواضيعها فارغة وليس لها هدف.. وهو ما جعل المشاهد يعقد المقارنات».

وأضاف قائلاً:» يجب أن نعلم أن نيللي وشريهان لم يتركا شيئًا لم يقدماه في الفوازير، فليس هناك شيء جديد ليقدمه غيرهما، وليس معنى ذلك أن الفوازير ليس لها وجود، لكن التجارب غير الموفقة جعلت الجمهور يتوقف وينصرف عنها، فإذا وجدت فكرة جيدة ونجمة محترمة، فإن عودة الروح إلى الفوازير تصبح ممكنة، فلابد من وجود نجمة ذات مواصفات خاصة أهمها القدرة على الأداء الاستعراضي والغناء والتمثيل وخفة الظل».

وأخيراً يؤكد الناقد فوزي سليمان أن الفوازير انتهى عمرها الافتراضي، ومحاولات تقديمها الآن فكرة فاشلة، فمع غياب نجمات بوزن نيللي أو شريهان، ومع الافتقار لميزانية تتجاوز العشرة ملايين جنيه، فضلاً عن فكرة متميزة تتمحور حولها، يصبح تقديم الفوازير مجازفة لا تحمد عقباها. وأشار سليمان إلى أن تقديم «راقصة» للفوازير لا يضمن لها النجاح، فليست كل راقصة فنانة استعراضية، بدليل أن المشاهدين عندما شاهدوا هذه الفوازير، أداروا مؤشرات التليفزيون إلى قنوات أخرى، لذلك فإن عدم تقديم الفوازير أفضل من تقديم نماذج فاشلة.

القاهرة ـ (دار الإعلام العربية)