مع دخول رمضان كل عام، يبدأ الإعلاميون والنقاد في تقييم نوعية الأعمال المقدمة ومقارنتها بالأعوام السابقة، وحظيت قضية المسلسلات الكوميدية هذا الموسم بنقاش وجدل واسعين بين الفنانين والنقاد والمؤلفين، نظرا لتراجعها عن الخارطة الرمضانية.
وأرجع البعض هذا الانحسار إلى أن كتابة المسلسل الكوميدي الواحد تعادل أكثر من عشرة أفلام، علاوة على ضخامة تكاليفه، بينما رأى آخرون أن الكوميديا موجودة داخل الأعمال الدرامية الرمضانية، ولكن ليس بصورة مباشرة، وعلل قلتها بظهور مسلسلات «الست كوم» السريعة التي لا تتعدى مدة الحلقة منها العشر دقائق. وحول هذا الموضوع، يقول الفنان أحمد بدير: «إن وجود المسلسل الكوميدي في رمضان أمر ضروري، على اعتبار أن الكوميديا ليس هدفها إضحاك الناس فقط، بل قد تحمل في كثير من الأحيان مواضيع مهمة تغوص في واقع المشاهدين، فضلاً عن ذلك فإن إحدى ميزات المسلسل الكوميدي، عدم احتوائه على إسفاف أو استخفاف بعقلية المشاهد، حيث يسعى القائمون عليه إلى أن يكون العمل الكوميدي هادفاً، يصل إلى المشاهد ويتأثر به بسهولة.
واعتبر بدير غياب المسلسل الكوميدي هذا العام ظاهرة خطيرة، وإن كانت قد بدأت بشكل متدرج خلال الأعوام السابقة، وقال: «لست ضد انتشار الدراما الاجتماعية، ولكن في الوقت نفسه على شركات الإنتاج أن توازن بين هذه النوعية من الأعمال الاجتماعية التي تحمل قضايا متنوعة والأعمال الكوميدية، فمسلسل أو اثنان في رمضان غير كافيين، خصوصا بعد التزايد الكبير في عدد القنوات، وأتمنى أن يتغير الوضع هذا العام أو الأعوام المقبلة.
مط وتطويل... وتربط الفنانة لقاء الخميسي بين تراجع الأعمال الكوميدية والصعوبة التي يواجهها الممثل وكتَّاب السيناريو في تقديم هذه الأعمال الطويلة. وتقول: «إن كل مشهد في الكوميديا لابد أن يكون جديدًا، وعندما تم تقديم أعمال تعتمد على الكوميديا بشكل بسيط تم اتهام الممثلين وكتَّاب السيناريو بالمط والتطويل في الأحداث، وهو ما دفعهم للاتجاه إلى الأعمال الدرامية الاجتماعية». وأعربت الخميسي في سياق متصل،عن سعادتها بانتشار مسلسلات «الست كوم» التي بدأت تظهر في الفترة الأخيرة، لأنها تفتح المجال مرة أخرى للكوميديا في الدراما بعد أن انحصرت في الوقت الحالي في السينما فقط، كما تفتح أيضا المجال أمام عدد كبير من الممثلين والممثلات من أمثالنا الذين لم يأخذوا حظهم في التلفزيون، حيث نجح هذا النوع من الكوميديا بشكل كبير، ولاقى قبولاً من الجمهور كبديل مؤقت عن غياب المسلسلات الكوميدية.
الرؤية ذاتها، تتبناها الفنانة روجينا التي أكدت أن تقديم أعمال كوميدية في ثلاثين حلقة أمر صعب جدًا، وقالت: «رغم أنني قدمت مسلسل «يوميات زوج معاصر» فإنني أرى أن هناك صعوبة في الكتابة والتمثيل بالنسبة للأعمال الكوميدية».
كوميديا اجتماعية
للفنانة هالة فاخر رؤية مخالفة، حيث ترى أن هناك أعمالاً كوميدية تقدم على الساحة الفنية بشكل غير مباشر، ويشارك فيها عدد كبير من الفنانين، وهى أعمال كوميدية اجتماعية لكن معظمها لا يتم عرضه على القنوات المصرية، بل يتم تسويقها للدول العربية، وتحقق النجاح المطلوب أثناء العرض.
وتعترف هالة في الوقت ذاته بأن هناك عدداً قليلاً من المؤلفين الذين يجيدون كتابة الأعمال الكوميدية الطويلة، بينما اتجه البعض الآخر إلى السينما والأعمال الاجتماعية، كون الأعمال الكوميدية تحتاج إلى «إفيهات» ومواقف وأحداث ودراما جديدة في كل حلقة، وهو شيء مرهق ذهنيًا للمؤلفين.
مشكلة إنتاج
ولأن جهات عديدة تلقي بمسؤولية تراجع الأعمال الكوميدية على الكُتَّاب، كان لا بد من أن نستطلع رأي أصحاب اللبنة الأولى والعمود الفقري لأي عمل درامي سواء أكان كوميديا أو اجتماعيا، وهم المؤلفون وكتَّاب السيناريو.
يقول الكاتب والمؤلف لينين الرملي: «إن المسلسلات الكوميدية لا تقل أهمية عن مسلسلات الدراما الاجتماعية، وليست ظاهرة أن يكون هناك مسلسلات كوميدية كثيرة في رمضان، فهذا يعني أن الدراما في حالة انتعاش، لكن الكارثة أن نجد مسلسلاً أو مسلسلين كوميديين في رمضان.
وأكد الرملي أن المؤلفين موجودون، لكن الإنتاج يتعامل مع الدراما بمنطق تجاري، وأصبح المنتج يبحث عن العمل الدرامي الذي يضمن مكسبه من الإعلانات، دون المغامرة بمسلسل كوميدي. وقد يكون هذا المنطق ـ على حد تعبير الرملي ـ مقبولا في القطاع الخاص، لكن الغريب أن القطاع العام بدأ يفكر بالطريقة نفسها.
المكسب والخسارة
على صعيد آخر، يرجع الكاتب أسامة أنور عكاشة انحسار الدراما الكوميدية في «الست كوم» إلى صعوبة كتابة الأعمال الكوميدية الطويلة، لأنها تحتاج إلى وقت في الكتابة و«إفيهات» كثيرة في كل حلقة، وأن يكون لدى المؤلف العديد من المواقف المختلفة.
وأشار عكاشة إلى أن العمل الفني أصبح محكوماً بمنطق المكسب والخسارة، خاصة بعد انتشار الفضائيات، مشيراً إلى أن الدول العربية تسعى إلى شراء المسلسلات الاجتماعية التي يمثل فيها النجوم، وترفض شراء الأعمال الكوميدية، لعدم إقبال الإعلانات عليها.
أما السيناريست نادر صلاح الدين فيرجع أسباب تراجع إنتاج أعمال كوميدية إلى عدم وجود نصوص في شركات الإنتاج، وقال: بدلاً من أن «يدلل» المؤلفون عليها، المفروض على قطاعات الإنتاج التوقف عن إنتاج الأعمال الهابطة، وتكليف بعض المؤلفين الكبار في الأعمال الكوميدية بتقديم أعمال جيدة.
وحول تجربته مع الكتابة الكوميدية، قال صلاح الدين: «وجدتها من أصعب أنواع الكتابة سواء في الدراما أم في السينما، وأتذكر قبل سنوات أنني حاولت كتابة مسلسل كوميدي، وتعاقدت مع المنتج لكن لم أستكمل حلقات العمل، وتوقفت عند الحلقة السابعة، لأنني وجدت أن كل حلقة في المسلسل تحتاج إلى «تيمة» مختلفة من الكوميديا، حتى يكون هناك ضحك مع أن «التيمة» الواحدة في السينما تقدم فيلماً».
سيناريوهات جيدة
من جهته، يلقي إبراهيم العقباوي رئيس شركة صوت القاهرة، بالكرة في ملعب كُتَّاب الكوميديا، مؤكدا أن عدم وجود سيناريوهات جيدة المستوى هو سبب توقف الإنتاج التاريخي. وقال: «حتى المؤلفين الشباب اتجهوا إلى الأنواع الأخرى من الدراما، لأن الأعمال الكوميديا تتطلب مجهوداً خاصاً في الكتابة، غير أن العقباوي اعترف في الوقت ذاته أن غياب المعلن عن هذه النوعية من الكوميديا، هي السبب الرئيسي وراء اتجاه معظم شركات الإنتاج نحو الأعمال الدرامية الاجتماعية، والتي لا يخلو بعضها من كوميديا في سياق العمل ذاته.
دراما مطلوبة
وتؤكد الناقدة ماجدة موريس أن مشاهدي رمضان تعودوا على تعدد وتنوع جميع أشكال الدراما المقدمة لهم ما بين اجتماعية وكوميدية، ما يعني أن المسلسلات الكوميدية هي نوع من الدراما تبدو مثل أي نوع من الأنواع الأخرى، سواء ظهرت بشكل مباشر أم غير مباشر، غير أن اختفاءها أو ظهورها لا يمثل ظاهرة في حد ذاتها.
ولفتت موريس إلى أن المسلسلات الكوميدية في الأعوام القليلة الماضية، بدأت في الانقراض وحلت مكانها نوعيات مثل مسلسلات «الست كوم»، التي لاقت نجاحا كبيرا وقابلية عالية عند المشاهدين، فاتجه إليها المنتجون بحثا عن الربح، غير أنها تؤكد ضرورة وجود تنوع فيما يُقدم في رمضان حتى لا يشعر المشاهد بالملل والسأم. فليس منطقياً أن يقتصر هذا العام على مسلسل كوميدي واحد هو «حكايات البنات» لمدحت صالح ومها البدري، ولكن على ما يبدو يتجه الجميع إلى الأسهل حتى لو كان على حساب العمل الفني نفسه.
الرؤية ذاتها، أكدتها الناقدة ماجدة خير الله التي قالت:» إن المسلسلات الكوميدية تساهم في التخفيف من أعباء وهموم المشاهدين، ولذلك ينبغي عدم إغفالها لأن عدم تواجدها يعني أن هناك خللاً ما، لكن عند تقديم مثل هذا النوع من الدراما يجب أن يراعي أن المشاهد الآن يختلف عن المشاهد منذ عشر سنوات مثلاً، نظرًا للتغيرات والتطورات التي تحدث كل يوم في العالم عموما، لكن في النهاية النجاح يحالف من يستطيع ملامسة مشاعر وأحاسيس المشاهدين، ويعبر عن آلامهم وأحلامهم ولو بالصورة الكوميدية.



