أوجد الخالق ـ جل وعلا ـ في الإنسان طبيعة فسيولوجية مهمة، هي أساس نموه وقدرته على تحمل أعباء الحياة المادية والمعنوية، ألا وهي التمثيل الغذائي للطعام، فعندما يأكل الإنسان طعامه في سحوره أو فطوره تتفكك العناصر المركبة الموجودة في الطعام إلى عناصر بسيطة، يكون سكر الجلوكوز والأحماض الأمينية والدهنية وبعض الأملاح أهم نتائجها.

وذلك بفعل الأنزيمات الهاضمة التي أودعها الخالق في أمعاء الإنسان، ثم لا تلبث هذه العناصر البسيطة أن تجد طريقها إلى الدم عن طريق الامتصاص ثم تتجه إلى أماكن تخزينها في الجسم، حيث تجري عليها عمليات حيوية مهمة لنقلها من وضعها البسيط إلى وضع مركب آخر مشابه لتكوين الجسم.

وخلال هذه المراحل المتتالية يرتفع سكر الجلوكوز من تركزه المنخفض في الدم قبل الإفطار وأثناء الصيام، إلى تركيز عال بعده تستطيع معه أجهزة الجسم الحيوية من الاستفادة منه بأخذ الطاقة اللازمة للقيام بوظائفها. وأهم تلك الأعضاء هو المخ الذي يقوم بدوره في تسيير حركات الجسم الإرادية واللاإرادية، ويعطي القدرة على التركيز والبحث والتفكير، وهكذا يسير الإنسان وينشط في حياته.

وإذا صام الإنسان، بدأ سكر الدم بالاستهلاك كمادة أساسية لعمليات الجسم الحيوية يصل معها بعد مرور ساعات قليلة إلى حد منخفض، حيث يكون هذا بدوره إشارة لبدء حركة دفع السكر العكسية في الجسم، لإعادة مستوى سكر الدم إلى مستوى يكفل استمرارية العمليات الحيوية فيه إلى ساعات أخرى.

وهذه الحركة العكسية تبدأ بتحول السكر المخزون في الكبد أولا من وضعه «المركب» إلى وضعه البسيط، حيث يدفع إلى الدم الذي يقوم بدوره بنقله إلى الأجزاء الحيوية من الجسم، فإذا ما استنفذ الكبد مخزونه من السكر المركب ولم يتناول الإنسان بعد طعامه، أي لا يزال صائما، تبدأ مراكز التخزين الأخرى كأماكن تخزين الدهون أولا والعضلات ثانيا بتحويل مركباتها المخزونة إلى السكر البسيط بعمليات حيوية خارقة مما يساعد الجسم مع مضي الوقت في تخفيف جزء كبير من الدهون المتراكمة فيه.

وهكذا تستمر هذه العمليات طالما لم يتناول الإنسان طعامه، فإذا ما تناوله في الإفطار، فإن هذه العمليات تتوقف، إذ إن السكر البسيط يعود إلى الدم مع طعام الإفطار الجديد، وهكذا تبدأ دورة أخرى كما بيناها في السطور الأولى.

ويمثل هذا التصور السريع للعمليات الحيوية في الجسم بأسلوبها المبسط أهمية كبيرة للصائم، حيث يمكنه، وبإجراء عملية حسابية بسيطة، من تخفيف أو زيادة وزنه، وهو هام جدا لتوضيح أهمية ونوع الإفطار والسحور الذي يستحب للصائم أن يلتزم به ليمكنه من تحقيق الطاعة المطلوبة للمولى عز وجل بيسر وحيوية، وهو هام كذلك لمعرفة من هم المستفيدون صحيا أولا وأخيرا في رمضان.

إعداد: محمد نبيل سبرطلي