ظل رجال من العرب الخلص الأصليين يعيشون في مناطق جبلية في سرات عسير وتهامة لم تلوثهم الحضارات المادية الخارجية، بل حافظوا خلال قرون على قيمهم وعاداتهم التي يتشبثون بها. ويثير هؤلاء الناس إعجاب الزائرين بكرمهم ورفعة قامتهم وحديثهم بالعربية القريبة جداً من الفصحى، وهم أهل الجود بالغريزة والخزان البشري الرائع الذي أسهم في بناء الإمبراطورية الإسلامية ورفد بلاد الشام والعراق بأبنائه الميامين، فمنهم الصحابة ومنهم المقاتلون، ورجال الفقه والعلم والشهداء الذين فتحت على أيديهم بلاد العرب والإسلام.

قرأت عن هؤلاء الناس في الكتب، وظننت في تلك الأوقات أن الكلام المكتوب كله مبالغات سواء في الطبيعة أو الناس. وبقيت عبارة «رجال ألمع» تحيرني حتى زرتهم في عقر دارهم في منطقة «رجال ألمع»، وكانت المفاجأة الكبرى عندما حطت الطائرة، التي تقل نحو 30 صحافياً مدعوين من قبل الهيئة السعودية العليا للسياحة، في مطار أبها الغارق ببرودة الطقس وحلاوة الخضرة والوجوه الطيبة. فقد اكتشفنا منذ اللحظات الأولى أننا وسط رجال مدهشين وطبيعة خلابة فعلاً.

«رجال ألمع» ... تتميز منطقة رجال ألمع بمبانيها الخاصة التي تختلف تماماً عن مباني عسير، وهي أشبه بمناطق الجنوب المتاخمة لحدود اليمن، ويعمل أهالي رجال ألمع على تحويل القرى إلى منشآت تراثية، وتقوم مؤسسات سعودية بعمل دراسات للموقع لتطويره وتهيئته لاستقبال السياح والزوار. وتحتوي جبال ألمع على متحف بسيط لكنه يحتوي على كل الألبسة والقبعات وأدوات المطبخ والمحاريث التي كان سكان المنطقة يستخدمونها في الأزمنة القديمة، وحتى عهد قريب.

و«رجال ألمع» من القبائل التي دخلت سفوح جبال عسير أو الأغوار في جنوب جبال السروات، وحسب الكتب التاريخية، يذكر أنها جاءت إلى هذه المناطق بعد انهيار سد مأرب. وتذكر كتب تاريخية أخرى أن ألمع هو عمر بن عدي وأخو بارك، والآن هي منطقة تبعد عن ألمع مسافة 200 كيلو متر.

وفي سيرة جزيرة العرب للهمذاني، يذكر أن ألمع يسكنون في أعالي حلي، وأن ألمع من ضمن القبائل الأزدية (الأسدية) التي انتشرت في هذه المنطقة. وكون ألمع تسكن في الأغوار وفي السروات، شأنها شأن القبائل التهامية المجاورة التي سعت دائماً للارتحال صوب المناطق الخصبة التي تحتوي على ينابيع مياه. والملاحظ دائماً أن رحلة الشعوب دائماً، كانت تتم من الجنوب إلى الشمال، وبالتالي يمكن التصور أنهم جاؤوا في مرحلة متأخرة. في انتقالهم من اليمن إلى هذه الأغوار، واستقروا فيها وبالتالي جاءت مرحلة الاستقرار الحالية. ويعود الاستقرار الفعلي إلى نحو أربعة قرون.

محافظ رجال ألمع محمد سعود المكمحي

غادر محافظ «رجال ألمع» محمد المكمحي وعدد من رجالات المحافظة إلى إيطاليا في رحلة استطلاعية، وقد استفادت البعثة من تجارب المناطق السياحية الإيطالية ونجاح تجربة التنمية فيها. ودرس الوفد كيف يمكن أن تنعكس التجربة السياحية الإيطالية على التجربة السياحية في رجال ألمع.

السياحة والعادات والتقاليد

يقول مدير التعليم السابق حول التغيرات التي يمكن أن تطال المنطقة في حال استقبال النشاط السياحي: «لا أعتقد أن العادات والتقاليد والتراث سيتغير في المنطقة، إذا ما هبت رياح السياحة لأن السائح هو إنسان عابر، ولن يجلس في قرية مثل «رجال ألمع» أكثر من يوم، وهو بالتالي إنسان طارئ. ويمكن أن نقوم نحن بتغييرها بأساليب ما وطرق لا أدري حتى الآن كيف. لكن، في كل الأحوال، أعتقد أننا لن نفقد هويتنا وأصالتنا بل ستستمر المحافظة عليها، بدليل أننا حافظنا على هذه القرية التي دمرت خلال الأعوام الثلاثين الماضية بسبب هجرة أهلها لها».

وحالياً، هناك محاولة لإحياء التراث والأصالة. والذي أعجبني أكثر حرص الجيل الحالي على الحفاظ على الموروث من الأدبيات الشعبية مثل الأهازيج والعرضات والرقصات الشعبية والحفاظ على طبيعة العلاقات القبلية، وهذه ظاهرة تنتشر بين الشباب. والحقيقة أن أهل المنطقة اعتمدوا بصورة رئيسية على التجارة، فقد كانت المنطقة محطة تجارية مهمة عبر التاريخ. وكانت حرفة أجدادنا الأولين الاستيراد والتصدير، فلم تكن تلك التربة الزراعية والمياه الغزيرة.

ويعتمد سكان هذه المنطقة على المردود المحلي مثل العسل والسمن والمنتجات الكثيرة الأخرى. لقد سجلت كل تلك الأنشطة ومثلت على خشبات المسرح، والآن دور الجيل الجديد المتعلم كي يعمل للحوادث التي طرأت على المنطقة تسجيل وإخراج.

وقد عرضت مسرحيات كثيرة حول العادات والتقاليد وطرق البناء والمعاناة التي كانوا يتكابدونها لنقل الجسور الخشبية المستخدمة في أسقف البيوت القديمة، وقد كانوا يرفعون تلك الأعمدة الخشبية المقتطعة من الأشجار لمسافات قد تتجاوز العشرة كيلومترات، حتى أن أي شخص من سكان القرية كان يحمل علامة على كتفه. والحقيقة فإن أبناء القرية كانوا متعاونين ومتكاتفين. فإذا طلب نقل خشب من قرية ما كان الجميع يستيقظون مبكراً ويتعاونون على نقل تلك الأعمدة الخشبية إلى القرية.

الأبنية والتصاميم

ترتبط تصاميم الأبنية في المنطقة ارتباطاً وثيقاً بأبنية اليمن وترى الأبنية معلقة وترتفع إلى خمسة أو ستة أدوار. وسترى أن البناء متين جداً إذ تبلغ سماكة الجدار متراً من الحجارة المرصوصة. لا يوجد في تركيبة البناء أي حديد أو إسمنت، كلها أبنية تعتمد في عمارتها على حرفيين ممتازين، فهناك أبنية يعود تاريخ بنائها إلى ما يتراوح بين مئتين وأربعمئة سنة.

العمالة

في حال التوسع والبناء وإقامة أسواق تجارية كبيرة مثل «المولات»، لن نقوم باستقدام عمالة آسيوية بل سنعتمد على أبناء المنطقة. والدليل على ذلك ترى أن معظم الذين يعملون هنا هم من أبناء القرية. ونحن نستفيد جداً من آراء الآخرين، فقد زار المنطقة الأمير خالد الفيصل قبل عشر سنوات وأبدى نصائح كثيرة استفدنا منها.

الأحسن والأسوأ

أحسن شيء غيرة أبناء المنطقة على قراهم وحبهم وتشبثهم بها، فهناك الكثيرون الذين رفضوا مغادرة منطقتهم، وآثروا البقاء وإن كانت أبواب الرزق خارج القرية أفضل. والشيء السيئ هنا يتمثل في صعوبة الحصول على المياه، وصعوبة المواصلات، مع العلم أن الدولة شقت طرقاً.

عسير ـ محمد نبيل سبرطلي