يبدو أن انتقال المذيعين الإماراتيين من القنوات الفضائية المحلية إلى الفضائيات الخاصة، بات أمراً معتاداً ما بين الشباب، على الرغم من أن المؤسسات المحلية تمنح للكوادر الإماراتية امتيازات عالية، وفرصاً لكسب خبرة أكبر بكثير، مما يتيحه القطاع الخاص.
لكن الحقيقية أبعد من ذلك بكثير على ما يبدو، لاسيما أن كثيراً من هذه الكفاءات بدأت تغادر التلفزيونات الحكومية في اتجاه القنوات الخاصة، أملاً في الوصول إلى العالمية والشهرة، أسئلة كثيرة تثار في هذا المنظور وآراء مختلفة تطرح في العلن، تتمحور حول سبب ترك بعض المذيعين مواقعهم التلفزيونية، والتوجه إلى الفضائيات الخاصة.
في محاولة للاقتراب أكثر من هذه القضية، التقينا المذيع الإماراتي عمر الفلاسي، الذي قال: «لا أنظر للمسألة من زاوية القطاع الخاص أو الحكومي، لاسيما أن بدايتي جاءت في الإعلام المحلي، فمؤسسة دبي للإعلام هي التي منحتني الفرصة الأولى لدخول مجال الإعلام، وتبنّت موهبتي.
وتحديداً في قناة دبي الرياضية، التي عشت فيها أجمل الأيام واللحظات، وتلقيت فيها القواعد الصحيحة لبناء الشاب الإعلامي المتميز بصفتها مؤسسة إعلامية مرموقة، وأشهد للزميل والصديق العزيز و«شيخ المعلقين الرياضيين» الكابتن علي حميد، لأنه آمن بموهبتي، ولم يبخل عليّ بأي نصحٍ وإرشاد، فهو صاحب خبرة طويلة، والاقتباس منه أفادني كثيراً.
عرض وطلب
وأضاف الفلاسي قائلاً: «إن سوق الإعلام يعتمد على العرض والطلب، وكذلك على تلاقي إرادة طرفي العلاقة «الإعلامي» و «المؤسسة الإعلامية»، وفي الحقيقة لم أجد من الإعلام المحلي الفرصة أو الفكرة التي أرى أنها تناسبني وتناسب ظهوري على الجمهور، أما عرض قناة روتانا خليجية فقد شدني كثيراً من ناحية فكرة البرنامج الثقافي الاجتماعي «ياهلا»، ومن الناحية المادية كذلك».
واستطرد الفلاسي قائلاً: «وبلاعودة إلى سؤالك، فإنني أرى أن الإعلام المحلي بيتي الأول بلا منازع، وهذا لا يمنع من وجود أي تعاون في المستقبل، عند تلاقي إرادة الطرفين، ومن الجيد أن أخوض تجربة الاحتراف لدى الإعلام الخاص.
كما يفعل لاعبو كرة القدم عندما يذهبون للاحتراف في صفوف الفرق الرياضية خارج بلدانهم، وبصراحة لا توجد إجابة واضحة عن السبب الرئيسي وراء اندفاع المذيعين الإماراتيين إلى القنوات الخاصة، فاختلاف الآراء هو الجانب الطاغي في هذا الموضوع».
ويرى الفلاسي أن الإعلام الخاص قد يحقق انتشاراً أكثر للمذيع خصوصاً إذا كانت هذه القنوات متابعة بشكل كبير كقناة (إم بي سي) مثلاً .
مشيراً إلى أن الإعلام الخاص يشكل أحياناً فرصة لدعم أفكار المذيعين الشباب، على اعتبار أن الإعلام المحلي يُسخَّر لدعم الحكومة وخدمة الدولة وإبراز جوانبها الاقتصادية والسياحية، وأحياناً أخرى تكون العروض المادية للإعلام الخاص مغرية أكثر من الإعلام المحلي، وبالتالي لاشك أنها ستكون الخيار الأول للمذيع.
أمان وظيفي
وأوضح الفلاسي قائلاً: «إن الإعلام الخاص يوفر الأمان الوظيفي والاكتفاء المادي، وبالتالي يعمل المذيع بطمأنينة ويكتسب الخبرة خطوةً بخطوة، بينما يعمل الإعلام المحلي على تفضيل الأجانب ويصرف لهم رواتب خيالية، وبالمقابل لايقدّمون المردود الموازي لهذه الرواتب.
وهذا ليس من باب التعصب أو العنصرية، فاحترامي موصول لأي شخص لذاته الإنسانية قبل جنسيته، ولكن في النهاية لا يصح إلا الصحيح، فالإماراتي مقدّم على غيره في بلده، وهذا عرفٌ تقليدي وبديهي».
وأكد الفلاسي على أن الإعلامي الإماراتي لا يعاني من معوقات مباشرة، بل على العكس، فإن المجال مفتوح أمامه على مصراعيه في الإعلام المحلي والخاص.
ولكن هناك معوقات غير مباشرة أمام الشباب المواطنين، تتلخص في الضعف العام لمناهج التعليم في الدولة على مستوى المدرسة والجامعة في آن، فتجد الطالب يعيش حالة من الارتباك، لا يعرف ما هو المطلوب منه بالتحديد، والنتيجة المترتبة على ذلك ضعفه في اللغتين العربية والإنجليزية على حدٍ سواء.
واعتبر الفلاسي أن الإعلام في الإمارات ناجح بشكلٍ عام، لكنه أعرب عن أسفه حيال تصنيف بعض القنوات الفضائية الموجودة على أنها قنوات محلية، بحجة أنها تُبث من الإمارات أو أنها ضمن شركة أو مجموعة إعلامية محلية، فهناك قنواتٌ لا تراعي القيم والعادات والتقاليد.
ولا أرى أنها تقدم شيئاً له علاقة بتراث الإمارات أو الانتماء الوطني أو يعود بالفائدة على الجيل القادم، فلا أتصوّر أنه من اللائق أن يُطلق عليها قناة محلية، ومن الأفضل تصنيفها ضمن القنوات الخاصة التي أتيحت لها الفرصة للبث من مدينة دبي للإعلام فقط.
المنافسة
وأكد الفلاسي أنه لا يحب المنافسة والمقارنة على المستوى العربي.. وقال: «انني فخور بأنني شاب إماراتي يقوم بدوره الإعلامي على أكمل وجه، فأنا مذيع مخلص في عملي وأحترم مهنتي.
وأنتقي برامجي بدقة وحرصٍ شديدين، ولا أسعى للظهور المكثف أو العشوائي، أو الشهرة السريعة التي يلهث وراءها الكثيرون، كوني على استعدادٍ تام أن أجلس في البيت سنة أو سنتين، أو أن أتفرّغ لاستكمال دراساتي العليا بدلاً من الإطلالة في برنامج لا يليق باسمي، واسم قبيلتي الذي أحمله، لمجرد الظهور فقط دون أن أحسب حساباً لعواقب الأمور، وأجد نفسي إلى الآن أمشي بخطواتٍ ثابتة على الطريق الصحيح».
ورداً على سؤال عن أن عمر المذيع الافتراضي قصير، أجاب الفلاسي قائلاً: «لا نستطيع الأخذ بهذا الكلام على عمومه، فهناك أسماء عربية كبيرة مازالت محفورة في ذاكرتنا وذاكرة المشاهد، ولكن أستطيع القول إن المجال الإعلامي بحاجة إلى تميّز واستمرارية.
والاستمرارية مرتبطة بقبول الجمهور، الذي يحكم على المذيع بالاستمرارية من عدمها، وبالتالي يكون هناك التزام وواجب كبير ملقى على عاتق الإعلامي تجاه ضميره بالدرجة الأولى، وتجاه جمهوره بالدرجة الثانية، وذلك من خلال المادة التي يقدمها ومن خلال تمسكه بعاداته وتقاليده وهويته العربية، والبعد عن المجاملة على حساب سمعته لحساب آخرين».
وختم الفلاسي حديثه بالقول إنه لا يسعى إلى العالمية والشهرة الواسعة ، ويقول: « يكفي أن أسمع الإطراء الجيد من المشاهدين لحظة ظهوري على الشاشة.
وأن يرتاح المشاهد لدى متابعته لي فقط أثناء عرض برنامجي، ومن بعدها أسمح له أن ينساني، لأن الوقت الذي أظهر فيه على الشاشة من حق المشاهد، وماعدا من أوقات تُعتبر من صميم حياتي الخاصة التي لا دخل لأحدٍ فيها».
دبي ـ فضيلة نجيب
