أحياناً نفاجأ بأفلام لها قدرة عظيمة على إثارة دهشتنا!، وهذا ما حصل معنا بعد مشاهدتنا فيلم «ليو» الجديد للمخرج اللبناني المقيم في السويد جوزف فارس، والذي شارك أخيراً في مهرجان برلين السينمائي الدولي.

يضعنا «ليو» أمام سينمائي لا نبالغ إذا قلنا انه يمشي على دروب الكبار. سينمائي يصوّر كما يتنفس، بلا تعصب لشيء، وبإعادة نظر مستمرة في كل ما ينجزه، وبلا اكتراث للإمكانات، يصنع أحياناً لقطات سينمائية مدهشة. هذه المتعة في انجاز فيلم ومشاركته مع الآخرين، كانت جلية في «زوزو»، وها هي تتكرّس مجدداً في أحد أجمل أفلام هذا العام. يبدأ «ليو» بلقطة «كلوز» معبّرة على وجه الشخصية ـ العنوان. انه عيد ميلاده الثلاثون. وهو عمر فارس أيضاً الذي يلعب في الفيلم دور صديق ليو (الكل يلعب دوره هنا، في جوّ من الصداقة والارتجال ومتعة الخلق.

وبحسب فارس، فإن أكبر مشكلة في التصوير هي عدم قدرة العاملين على تمالك أنفسهم وضحكاتهم المتواصلة). لكننا نستطيع أن نقول إنه كان في إمكانه أن يكون أيضاً ليو، لكن شيئاً يمنعه من ذلك، ولهذا سندعكم تكتشفونه لاحقاً إذا تسنّت لكم مشاهدة الفيلم.

في ليلة احتفاله بالثلاثين، يتعرّض ليو أثناء عودته إلى منزله لاعتداء جسدي يودي بصديقته ويتركه في حال من الضياع النفسي، تزداد توتراً لتتحول إلى أزمة وحيرة وألم، ولن يشفى من إحساسه بالذنب إلى أن يقرر الانتقام! هذه الرغبة في توجيه الخنجر إلى قلب المعتدي، ستكون لها نتائج كارثية على جوزف، وهو الأشد براءة في ثلاثية الأصدقاء الذين يتشكل منهم الفيلم: هو أقلهم أيماناً بالعنف، رغم انه عاش طفولة معذبة خلال الحرب الأهلية اللبنانية (في الفيلم بعض الكلام باللبناني بين جوزف ووالده).

هذا الجانب هو أكثر ما يؤثر في كل متلقٍّ يعرف خلفية فارس الاجتماعية، وكيف شاءت الظروف أن ينتقل من برج حمود إلى السويد حيث حبس أنفاسنا لمدة ثمانين دقيقة بالتمام والكمال من خلال هذه القصة المليئة بالعنف واللؤم والبطش. نسلّي أنفسنا بالتفكير في عدد الأفلام التي كان أنجزها فارس لو بقي في لبنان. وفي الإمكان صوغ السؤال على هذا النحو: هل كان في مقدوره أن ينجز أربعة أفلام وهو بالكاد يبلغ الثلاثين؟

تبقى كاميرا فارس متربصة بشخصياتها، قريبة منها، وراصدة لانفعالاتها، وصولاً إلى إقحامنا في دوامة العنف التي ستدور على الشخصيات بغية إسقاطها الواحدة تلو الأخرى في جحيم الحقد. هكذا يبلغ الفيلم سواداً لا مثيل له.

ولا سيما في لقطاته الختامية الأخيرة حيث تتصاعد حدة العنف إلى الأوج على نحو يتخطى القدرة على التخلي عنها. من مشهد تدميري إلى آخر، ينتقل بنا الفيلم عبر فواصل سوداء تجعل أعصابنا تشتد. يبرع فارس في إشاعة أجواء كبيرة، قلة من السينمائيين العرب يعرفون كيف يحصلون عليها.

بيروت - هوفيك حبشيان