وسط سوق صناعة السينما، المزدحم بالغث والسمين، والذي أصبح يشبه «سوبر ماركت» ضخما .. حيث نجد العديد من الأصناف لطعام طازج ومفيد، تتنافس أيضاً عشرات المعلبات التي تحوي في داخلها مكونات أفرزتها خلطات مهجنة من ثقافة الغرب، معجونة بكل ما هو غير مباح ومستباح من فئة لها لغتها الخاصة، ومفردات تمتهن تصورات جديدة، يقف أمامها الحياء عاجزاً عن المواجهة أو حتى الرد.
الغريب فعلاً أن هذه البضاعة تجد لها رواجا، وتزحف لتحتل مكاناً بارزاً لتكون في متناول كل يد، حتى أن تجار وموزعي «الصنف» يرحبون بها على حساب كل ما يدعو للانتباه والتفكير أو الفهم واكتشاف الحقيقة، لأنهم ينزعجون جداً من الحقيقة.الأفكار النبيلة هي التي تصنع الأعمال الخالدة مع مرور الزمن.. هذه حقيقة نلمسها في كل جوانب الحياة، وتتجسد بوضوح في فن السينما، الذي يعكس بلا شك أخلاقيات المجتمع، حيث نحاول الحفاظ عليه بكل جهد وإصرار، لنعبر به إلي بر الأمان، لكن عندما تأتينا نظرة غير أخلاقية، يتحتم علينا مواجهة الحقيقة بكل قسوتها، لتأتي الأسئلة الصادمة: هل تغير أسلوب حياتنا وتفكيرنا، وهل من أجل مكسب مادي تضيع الأخلاق والمبادئ.. ويضيع البشر أيضاً؟
صيف هذا العام يختلف في مصر عن الأعوام السابقة، ليس في عدد الأفلام المعروضة فقط، إنما بما تحتويه هذه الأعمال من ألفاظ خارجة ومعان تخدش الحياء، ففي معظم الأعمال بداية من فيلم «الريس عمر حرب» مرورا بفيلم «كابتن هيما» و«بوشكاش».
وانتهاء بفيلم «إتش دبور»، شهدت السينما مرحلة من انحدار مستوى الحوار الدرامي وأصبحت الألفاظ الخارجة عادية والإيحاءات الجنسية موضة، وما زاد الأمور سوءاً هو انتشار الإنترنت والموبايل، حيث اخترع الشباب لغة جديدة للكتابة والحوار، اعتمد عليها كتاب السيناريو، ليمرروا ما يريدون من دون أن يكون هناك ضابط أو رابط.
في بداية السبعينات، وافقت الرقابة للفنانة فاتن حمامة على كلمة « ابن الكلب» في فيلم «الخيط الرفيع»، اعتبرها النقاد تصريحاً بالسب داخل الأفلام، لكن مع مرور الوقت أصبحت هذه الكلمة بسيطة جداً مقارنة بما نسمعه الآن، لأن ما يحدث على الساحة هو استخفاف بالذوق العام.
فلم تعد الشتيمة هي الأساس، إنما أصبحت الكلمات تحمل إيحاءات جنسية مصاحبة للألفاظ، مثل ما حدث في فيلم «كابتن هيما» بطولة تامر حسني، وكذلك فيلم «بوشكاش» الذي يحتوي على عدد لا بأس به من هذه الألفاظ والإيحاءات.
أما أغرب الحالات فكانت مقاطع من فيلم «دبور» لأحمد مكي عندما قالA7A والتي تعني بلغة الإنترنت وضع حرف ح مكان رقم 7 ، وجملة نفسي أعمل سلسلة مطاعم تحمل عنوان «خد فطيرك» مصاحبة بإيحاءات تفسر معنى الكلمة، أو جملة» شكلك بتاخد فيزا».
هذا خلافاً لكمية الألفاظ النابية التي قدمها فيلم«الريس عمر حرب» على لسان «البرستتيوت» (بنت الهوى) والتي أصبحت كلمة عادية وضعيفة أمام أية تورية أخرى يمكن أن تؤدي المعنى، وكأن الواقعية تعني نقل الرذيلة بكل مصطلحات المهنة ومفردات مستخدميها.
إن الألفاظ والإيحاءات الجنسية الموجودة حاليا في غالبية أفلام هذا الصيف، بالتأكيد وجودها ليس مصادفة، إنما هي موجودة منذ بداية كتابة السيناريو، لذلك فالمسؤول عن كل شيء هو الرقابة التي سمحت بإجازته.
وهو يضج بكل تلك الألفاظ والإيحاءات، التي تنتشر بسرعة بين الشباب المراهق الذي يرددها دون أن يعرف معناها أو ما ترمي إليه، خصوصا أنه في هذه الحالة يقلد شخصية البطل الذي يحبه ويسمع منه هذه الكلمات، فأين كانت الرقابة حتى بعد انتهاء تصوير الفيلم.. وهل اقتصر دورها على التابوهات الثابتة فقط؟
ومن يقول إن اللغة الجديدة التي يستعملها الشباب على الإنترنت لا تعلم عنها الرقابة شيئاً، فهذا كلام غير صحيح لأن هناك لجنة مشاهدة تستطيع تفسير كل الكلمات التي بها تورية والتي تصاحبها في الوقت ذاته،إيحاءات جنسية تفسر معناها، فكيف تكون غير مفهومة.
أما صناع الفيلم فيأتي دورهم بعد ذلك لأن كل كاتب سيناريو أو مخرج يريد أن يظهر بشكل جديد، فيحاول أن تكون له «لازمات» مختلفة عن الآخرين لكن في الوقت ذاته، لابد أن تكون هذه «اللازمات» في حدود عادات وتقاليد المجتمع الذي نعيش فيه، ولابد من مراعاة الضمير أثناء الكتابة حتى لا نفسد أخلاق جيل جديد لا يزال في بداية حياته.
الأخطاء تتزايد من حولنا، أخطاء في السياسة، والعمل، والمجتمع، والسينما، وفي كل العلاقات الإنسانية. قد نكون مسؤولين عن بعض هذه الأخطاء، ولكن بالتأكيد لسنا مسؤولين عنها جميعا، فقد أصبحت الأخطاء مفروضة علينا كأمر واقع، أفرزته سرعة العصر وتلاحق الأحداث، وسرعة حركة التطور.
ويقع الفرد منا في مأزق، هل يتخلى عما يراه ويعتقد انه الصواب، ويترك نفسه لتيار الأخطاء، يشارك فيها ويباركها؟، أم يقف ضد التيار محافظاً علي كل ما هو صادق وأصيل؟، هذا المأزق، أو هذا السؤال هو ما حاولت طرحه والإجابة عنه.
دبي ـ أسامة عسل

