بعد غياب قسري عن الشاشة الصغيرة دام ثلاث سنوات، عاد الفنان السوري بشار إسماعيل ليطل على جمهوره بعمل ملحمي جديد، يثار فيه مجموعة من القضايا والأسئلة التي لا تختلف كثيراً عن الاتهامات التي تكال لشخصية هذا الفنان المتهم في كل محفل على أنه يعمل في كنف السلطة.
ويجيب: «نقلت معاناة الفقراء لأنني نصيرهم، واخترت الفن لقناعتي بأن الفنان يستقي الأفكار من الواقع، ويطوعها لخدمة البشر. وخلال مسيرتي الحياتية حملت رسالة الإنسانية على عاتقي، وحاولت أن أطبقها على الفن، ويبدو أن صبري أثمر قطافه، فاليوم اعمل مع شركة إنتاج فني كان باكورتها «باب المقام»، وهو عمل درامي ملحمي يعود بالمشاهد العربي إلى البيئة الحلبية في سوريا في سنوات الخمسينيات.
ومن المتوقع أن يتم بثه في رمضان أو بعده على إحدى الفضائيات العربية ولهذا السبب تواجدت في دبي». ويعالج هذا العمل الفني للمرة الأولى ثلاث قضايا في آن واحد، أولها الخط الديني المتمثل بالشيخ صالح، والذي يحمل أفكار الإسلام التي تعتمد على قبول الآخر ومبدأ الحوار والفكر والجمال وهو والد البطلة صفية التي أدته الفنانة رواد عليوي، وابن عمها المؤمن بأفكار الممنوع والحرام (المفهوم الخاطئ للإسلام) والذي ينادي بأن كل شيء حرام.
عمل المرأة وقراءة الكتب البعيدة عن القرآن كلها حرام. أما القضية الثانية التي يعالجها المسلسل فهي الحب العذري حيث طرحت كقصة رومانسية تفتقر لها الأعمال الدرامية، والقضية الثالثة تحتوي على خط التشويق المتمثل بشخص جابر أبو الروس عقيد الحارة، الذي يتعمد على شراء ضمائر الناس والحصول على كل شي.
وشارك في هذا العمل مجموعة من الفنانين منهم ناصر وردياني ورياض وردياني وليث مقتي وروعة ياسين ومرح جبر ورندا مرعشلي وسلوى جميل ورضوان عقيلي. بينما قام فهد ميري بإخراج هذا العمل الملحمي.
واعتبر بشار إسماعيل أن الدراما السورية لم تكن في وقت سابق انهزامية أو سطحية في معالجة المشكلات الاجتماعية التي يعاني منها الفرد السوري، بل على العكس من ذلك تماماً، ويقول في هذا السياق:» لو عدنا إلى الوراء قليلاً، سوف نلاحظ أن الدراما السورية كانت ناقدة واقعية نقلت آهات الشارع السوري، والدليل على ذلك مسرحية «الشوك» للفنان دريد لحام الذي انتقد بجرأة غير مسبوقة، كثير من الأخطاء التي ارتكبها صانعو القرار في سوريا.
لكن في تلك الحقبة من الزمن لم يكن مستوى التقنيات الفضائية موجوداً، لذلك كان صداه في الوطن العربي ضعيفاً، أما اليوم ومع وجود الكم الهائل من الفضائيات العربية، أضحى وجود أي عمل فني على الشاشة يلقى رواجاً في الإيجاب أو بالسلب حسب قراءات المشاهد لذلك العمل أو ذاك.
لكن تجربة الدراما السورية تختلف عن نظيراتها كونها ساهمت في السنوات الأخيرة، خلافاً لمشكلات الواقع العربي على وجه العموم، بتوجيه انتقادات لاذعة لكل ما يجري للإنسان العربي من ظلم وانتهاكات تقع عليه».
وأكد بشار إسماعيل على أن انتقاد المشكلات والمعوقات التي يعاني منها المجتمع وتحويلها إلى دراما، يعتبر متنفساً حقيقياً للأفراد يمكن من خلاله تقليل نسبة الاحتقان الداخلي في المجتمع، وهذا فعلاً ما يعرفه صانعو القرار في الوطن العربي.
ويقول إسماعيل إن مدى استجابتهم لما يطرح على الشاشة، ومحاولتهم لإيجاد الحلول أو تطبيق بعض الحلول التي قدمتها هذه الدراما، فهنالك مثل يقال يصلح لأن يكون الإجابة على هذا المحور من السؤال وهو (نحن نغني في الطاحونة).
وأوضح بشار إسماعيل قائلاً: «على الرغم من مساحة التنفيس الكبيرة التي تتمتع بها الدراما السورية، إلا أن مقص الرقيب لايزال فعالاً لأسباب عديدة منها، جهل بعض المراقبين بما هو ممنوع من عدمه، وقد يعود السبب الرئيسي في ذلك لانعدام وجود قائمة محددة من وزارة الثقافة والإعلام.
وعليه يقوم المراقب بالعمل حسب الرقابة الذاتية التي اعتدنا عليها، وعلى الضفة الأخرى فإن عمل الرقيب مفيد جداً، لأن بعض الأشخاص قد يستغلون منفذ الحريات هذه لإثارة دوافع وأحقاد داخلية، أو قد يدس السم بالعسل بالترويج لمفاهيم دخيلة على المجتمع العربي.
وردا على سؤال حول السبب الرئيسي وراء قلة أجور الفانين السوريين على الرغم من دخول أموال خليجية مستثمرة في هذا المجال، قال إسماعيل: «أود أن أشكر المنتجين الخليجيين على خطواتهم الجبارة في إنعاش الدراما السورية.
وبالمقابل أوجه اللوم للفنانين السوريين الذين أصبحوا فاحشي الثراء من وراء استغلال الفنان، حيث يتم إشراك الفنان السوري في ادوار لقاء بضع دراهم، وبالمقابل يعقد صفقات مع المنتج لإنتاج عمل فني بأرقام خيالية، وفي حالة رفض الفنان لمثل هذه الأفعال يتم محاربته وعزله بشكل مباشر أو غير مباشر عن الساحة الفنية».
وأضاف قائلاً: «يجب أن تساند السلطة والمال الفكرة ليتم تعميمها، لاسيما وان هذه الأفكار تبقى على حالها ما لم توظف لخدمة المجتمع، وهذا التوظيف يجب أن يكون في الجانب الايجابي التنموي للفرد، أما إذا تم توظيف هذه الأموال بطريقة شريرة، فتصبح الأمور إلى ما آلت عليه في العراق وأفغانستان، حينما وظف الأميركيون أموالهم وسلطتهم لخدمة القتل والتخريب.
وعلى كثرة هذه المشاهد المروعة ظهرت فكرة (مسيرة الرفق بالإنسان) والتي قمت بتنفيذها مع المخرج فيصل بن مرجي، وعرضت على قناة عرب، حيث دارت فكرة العمل الرئيسية على دبلجة استنطاق الحيوانات وهي تنتقد سياسة القتل المتبعة في الشرق الأوسط والمشاهد المريعة التي تظهر على شاشات التلفاز، من دون أن تحرك مشاعر الإنسان.
وفي حديثه عن رسالته الإعلامية التي يريد أن يوصلها إلى المشاهد من خلال الفن، ختم بالقول: «أعرف إني متفائل في الحديث عن حلم تحقيق فكرة الأمة العربية الواحدة، لكنه حلم يسكنني منذ اللحظات الأولى التي وقفت فيها أمام الكاميرا، لكن للأسف، فإن تحقيقه أضحى ضرباً من الخيال، ليس السبب أعداء الأمة فقط، وإنما السبب من داخل الأمة العربية».
دبي ـ فضيلة نجيب


