تقاطرت حشود جماهيرية غفيرة، لحضور الأمسيات الموسيقية الخمس التي أحياها الفنان اللبناني زياد الرحباني، من 15 وحتى 19 أغسطس الجاري في قلعة دمشق، ضمن احتفالية دمشق عاصمة الثقافة العربية 2008. حيث قدم خلالها نخبة من أجمل أعماله الموسيقية والغنائية، مع فرقة موسيقية بقيادة الأرميني كارين دورغاريان.
وجاء قدوم الرحباني إلى دمشق، مثل عودة الابن إلى أمكنة شهدها في طفولته، حين كان يرافق أهله في حفلاتهم التي وسمت أواخر الصيف الدمشقي. ففي دمشق قدم في سهرة خاصة ضمت أهله وبعض الأصدقاء عمله المسرحي الأول «سهرية»، وكان ما يزال يافعاً. وفي دمشق، رغم غيابه الطويل، يحفظ الشباب أعماله المسرحية والإذاعية غيباً، ويرددون أغنياته في رحلاتهم ويستمعون إليها أينما كانوا. ولعل شخصية زياد قد طبعت النتاج الإبداعي لعدد كبير من الموسيقيين السوريين الشباب، فهو الذي كسر قالب كلمات الأغنية التقليدية، ليدخل الشعرية إلى مفردات الحياة اليومية، ويجعل من توزيع الموسيقى الشرقية بآلات الأوركسترا الغربية مزيجاً قل مثيله في تاريخ الموسيقى العربية المعاصرة.
ويعد حفل زياد الرحباني أبرز الفعاليات التي أقامتها ونظمتها الأمانة العامة لاحتفالية دمشق عاصمة الثقافة العربية منذ بداية العام، والتي شملت جميع مجالات الفن والموسيقى والمسرح والسينما والأدب. حيث استضافت الأمانة أهم الوجوه الثقافية العالمية مثل فيروز وبيتر بروك.ونظمت العديد من الفعاليات المتنوعة مثل فعالية «ألف تحفة وتحفة» الشهرية واحتفالية «ليالي موسيقى العالم» وغيرها من الندوات والمؤتمرات والنشاطات الهامة التي أثرت المشهد الثقافي العربي عموماً والسوري بوجه خاص.
وكانت الدكتورة حنان قصاب حسن، الأمين العام لاحتفالية دمشق عاصمة الثقافة العربية قد أدلت بتصريح أكدت فيه أن مشاركة زياد الرحباني في احتفالية دمشق عاصمة الثقافة العربية 2008، تشكل ترسيخاً لرؤيتنا حول المحتوى الثقافي الذي نعمل على تقديمه. وأشارت إلى أن نتاج زياد نموذج بارز للمنتج الإبداعي الذي يصل إلى أرفع مستوى فني، من دون أن يفقد روابطه بالناس العاديين على مستوى كلمات الأغنية ولحنها.
وقالت الدكتورة حنان قصاب حسن: «إن حفلاته في دمشق تأتي بمثابة هدية الصيف للشباب الذين تعتبرهم الأمانة العامة هدفها الأول في نشاطات الاحتفالية. وهو اليوم يجتمع بجمهوره السوري العريض المتشوق للقائه، كما تشهد الضحكات العريضة على وجوه كل من أتى لينال بطاقة لحفلته.
واختيار قلعة دمشق في قلب دمشق له معناه الرمزي الذي يؤكد على البعد التاريخي لهذه المدينة العريقة التي تعرف كيف تنفتح على الحداثة، من دون أن تقطع جذورها مع الماضي. وختمت تصريحها بالقول: «نرحب بزياد ضيفاً عزيزاً وغالياً في دمشق، ونحن على ثقة بأنه سيقدم لجمهوره مادة فنية ثقافية نوعية بامتياز».
وبالعودة إلى الأمسيات الخمس، فقد التقى زياد جمهوره بعد طول انتظار، وقدم برنامجاً موسيقياً وغنائياً يتضمن باقة من ألحانه وأغنياته القديمة في توزيع موسيقي جديد وملفت، بالإضافة إلى مقطوعات وأغنيات جديدة اختار الرحباني أن يقدمها للمرة الأولى من دمشق.
ويشارك زياد العزف فرقة أوركسترا بقيادة المايسترو كارين دورغاريان والمؤلفة من 50 عازفاً من بينهم 27 موسيقياً سورياً، يشكل جزء منهم الكورس المرافق له. وهي ليست المرة الأولى التي يتعاون فيها زياد مع موسيقيين سوريين، إذ برزت مجموعة منهم ضمن تشكيلة الأوركسترا المرافقة له في السنوات الأخيرة.
وقال زياد: إن حفاوة الجمهور كانت فوق تصوري، إذا حاولنا أن نتصور أجواء الحفل قدر الإمكان، لكننا فوجئنا أن الجمهور يحفظ كل الأغنيات، ولم نتوقع هذه الأجواء ولم يسبق أن رأيناها في أي من حفلاتنا.
ورافقت عاصفة من التصفيق ظهور زياد الرحباني على المسرح، ليفتتح الحفل بمقطوعة موسيقية، قبل أن ينشد «شو هالأيام اللي وصلنالا..».
وغنى الرحباني ومعه الجمهور الذي يحفظ معظم أعماله غيباً «تلفن عياش» «عايشة وحدها بلاك» «بلا ولا شي، وشاركت زياد الغناء جوقة مكونة من ست مغنيات سوبرانو سوريات منهن رشا رزق وليندا بيطار. ساعة ونصف الساعة من الغناء والموسيقى تخللتها استراحة قصيرة، كان زياد كريماً بصوته، ولم يكن الجمهور أقل كرماً، تشجيع وحماسة وهتاف وتصفيق، وحال إصغاء واستماع عالية لا تشوبها أي فوضى.
حال الجمهور فاجأت المنظمين أنفسهم، وفاجأت زياد كما جاء على لسانه في ختام الحفلة، بعد أغنية «عودك رنان»، وقف زياد وتوجه إلى الجمهور شاكراً على طريقته، وقال: «إنه منذ أن تلقى الدعوة من احتفالية دمشق، والأخبار تصله عن «جوكم» لاستعدادي للقاء، وإذ ذاك حاول أن يتصوّر بقدر إمكانه ما يحصل في دمشق، وعندما سأل عن البرنامج والاقتراحات له، جاءه الجواب أن الجمهور «حافظون كل شيء».
وأهدى الجمهور الرافض لمغادرته إعادة لآخر مقطع من «عودك رنان»، وغافل الجمهور إذ أوحى وكأنه يريد استشارة المايسترو الأرمني «دورغريان» في أغنية أخرى، ثم غادر في شكل خاطف، اعتصم الجمهور أمام المسرح وتابع الغناء »الحالة تعبانة يا ليلى»، وصرخ «صامدون هنا»، لكن المنظمين أخبروهم أن لا أمل من الانتظار.
كواليس
بطاقات الحفلات الأربع نفدت سريعاً (20 دولاراً مع خصم للطلاب والصحافيين) في بعض المدن السورية، ومطالبة من لم يحالفهم الحظ ببطاقات، دفعت احتفالية دمشق إلى تمديد الحفلات يوماً إضافياً قبل بدايتها. حرص المنظمون على فتح الأبواب قبل ساعة ونصف الساعة من الحفل، تجنبا لحدوث أي تدافع أو تزاحم. وقد قدم الجزء الأكبر من الجمهور مبكرا لحجز الأماكن الأقرب إلى المسرح
جمهور الحفل قاموا بنقل كراسيهم إلى الفسحات القريبة، وبدلا من ان يكون الحضور منتظمين في ثلاثة صفوف اوسطها متعامد مع المسرح، والطرفان مائلان اليه صار الجمع كتلة واحدة ومتراصة بانتظار ظهور الرحباني.
بحماس شديد ردد الجمهور أغنيات لزياد الرحباني، وانتحلت مجموعة من الجمهور في المقدمة دور المايسترو لتنتقل العدوى تدريجيا إلى الصفوف الخلفية. وما ان كانت تنتهي اغنية حتى يبادر البعض بمطلع أغنية جديدة، اما خلال المقطوعات الهادئة فكان يصغي باهتمام.
دمشق- «الحواس الخمس»



