على الطريق بين بيروت والجنوب اللبناني، تقع حوادث الفيلم الجديد للثنائي اللبناني جوانا حاجي توما وخليل جريج، «بدي شوف»، الذي عرض في الدورة الماضية من مهرجان كان، ونحن في انتظار أن تنطلق عروضه التجارية في بيروت قريباً، لنرى مدى اهتمام الجمهور المحلي بهذا الفيلم الذي تلعب فيه دور البطولة نجمة عالمية هي الممثلة الفرنسية كاترين دونوف.
بدأت مغامرة الفيلم غداة اندلاع ما بات يُعرف بحرب 2006. إنها حرب لم يردها المجتمع اللبناني، ولم يختر توقيتها و» منافعها» على المدى القصير والبعيد. من سلبيات هذه الحرب ليس الدمار والقتل فقط إنما ما نتج عنها من أعمال سينمائية مشغولة بانفعال و(قلوب مليئة) إما حقداً وإما ابتهاجاً، آخرها هذا الشريط لمخرجين كنا نعتقد حتى الأمس القريب أنهما أكثر ذكاء من أن يقعا في فخ تأكيد الشيء بالشيء. في الواقع، ما كان بدأ فيلماً قصيراً تحول إلى شريط بطول 70 دقيقة، ولولا وجود دونوف فيه، لسقط من حساب مهرجان كان، لأن إقحامه بين أفلام لها قدر أكبر من الصدقية والشرعية، يدعو إلى تساؤلات غير بريئة.
لا يوصل الفيلم ما يريد إيصاله، هذا إذا كان لديه ما يريد إيصاله أصلاً. حجة السيناريو المتمثلة في سطرين ونصف سطر أن دونوف تقصد بيروت بعد توقف عدوان (تموز)، لترافق الممثل ربيع مروة إلى بيت جدته في بنت جبيل. معاً سيذهبان إلى الشريط الحدودي، معاً سيتحدثان عن أشياء سطحية لا معنى لها، لكن قضيتهما الكبرى التي ستبقى طوال الفيلم هي حزام الأمان. «نسيت حزامك يا ربيع؟
آه كيف لم أضع حزامي؟ أليس إلزاميا وضع الحزام في بيروت؟»، نسمع دونوف تقول ذلك مراراً وتكراراً.
هذه النكتة تغدو مزعجة من فرط ما تتكرر وتطول، وتسعى إلى اختزال لحظة ومكان وثقافة. انه أسلوب استعاري لتبيان نقاط الاختلاف التي تبدو أنها أكثر من نقاط التشابه، لكنها لا تفي حق أيٍّ من الفوارق لأن السينما نادراً ما تتعاطى مع المسلّمات، وكثيراً ما تبحث عن الخارجين على السرب.
أما إشكالية الفيلم الأساسية فهي دونوف التي قدّمت ربما أحد أكثر أدوارها بروداً. من الحرب لن ترى الكثير وليس عندها الفضول لترى أصلاً، وعلامات اللامبالاة بادية على وجهها (يبدو أنها كانت لا مبالية أيضاً خلال التصوير إزاء ما رأته من خراب). يسيطر النعاس على عينيها الذابلتين. امرأة باردة لا يستفزها شيء. بل على العكس، كلامها كلّه عادي.
(بدّي شوف) عمل مركب تركيباً أخرق. انه تشابك عنجهي بين مشاهد لها مكان ما في سياق الحوادث، وأخرى أقحمت للاستعراض والقول: «هل ترون ما فعلوا بنا؟» . ظهور المخرجين في الفيلم غايةٌ في التكلف والادعاء والتصنع.
نادراً ما رأينا في عمل ما هذا الغياب اللا معقول لقضية سينمائية ولسؤال من أي نوع. يكتفي المخرجان بلعب دور دليل سياحي في عمل متنقل من قرية إلى أخرى، ساعات من القيادة في الوديان والبراري لا تؤدي إلى حصول تماس بين المتلقي والفيلم.
بيروت ـ هوفيك حبشيان

