للموسيقى بأنواعها ذكريات خاصة في طفولة الكثيرين منا.. وبالنسبة لي تختزل محطات مرحة تذكرني بشقاوتي المفرطة، ما أهلني في ذلك الوقت، لأصنف ضمن قائمة الأطفال الأكثر شغباً في محيطي، نظرا لبصماتي الفادحة في العديد من المناسبات العائلية، وحينها أطلقت والدتي جرس الإنذار.

واستنفرت قواها المعنوية حيالي، لتضعني تحت سيطرة معهد للموسيقى، على أمل أن استثمر ذكائي الماكر، فالتعلم واكتساب المهارات التي بلا شك سوف تعيد لها ابنتها الرقيقة التي تحلم أن تراها كذلك! وسرعان ما بدأ سلوكي الشقي بالهذيان ينأى بعيداً عنى ليتركني أستريح. وأستثمر هذا الدهاء في التركيز على أصوات وأنغام الآلات النحاسية والمارشات العسكرية التي جذبت اهتمامي أكثر من جميع الآلات الوترية المعروفة، فبدأت أعزف بعضها بإتقان وتطورت علاقتي معها من خلال متابعة فرق الموسيقى الشرطية في كافة الفعاليات والمناسبات وحفلات التخرج، كيف لا وأنا المعجبة الأولى بها ولا أزال.

الآن.. وبعد الإعجاب الطفولي، تحينت الفرصة مرة أخرى، لأجدد هذا الإعجاب بموسيقى الشرطة، وقصدت أستطلع مقر إدارة الموسيقى في أكاديمية شرطة دبي، والكشف عن عالمها وأنشطتها. استهلت جولتنا في إدارة الموسيقى التابعة لأكاديمية شرطة دبي برفقة الرائد محمد الشاعر الذي يشغل منصب المدير فيها، ولاحظت وجود العديد من الدروع وشهادات التقدير من العديد من الجهات والمؤسسات والهيئات والمدارس والجامعات.

حول هذا الموضوع يقول الرائد الشاعر: «إن الفرقة الموسيقية تحرص على المشاركة في جميع المناسبات الوطنية على مستوى إمارة دبي منذ تأسيسها، فقد أصبح وجودها في هذه التظاهرات أمراً ضرورياً وحيوياً، حيث تشارك بشكل فعال ومتميز في إنجاح كافة الاحتفالات الرسمية والشعبية والكرنفالات والمهرجانات والمعارض أو المؤتمرات والأنشطة المدرسية والرياضية ومشاركة الفرق العالمية كذلك.

حيث كنا الفرقة الوحيدة من دول مجلس التعاون الخليجي التي شاركت ضمن 30 فرقة عالمية في مهرجان الجزائر للبيئة والصحراء، وظهرت الفرقة بمظهر مشرف لدولة الإمارات وسط فرق عريقة من مصر والمغرب وتونس واستراليا وبعض دول أوروبا وأفريقيا والولايات المتحدة».

وحول الأنشطة التي تقوم بها الفرقة، يقول الشاعر: «إن الفرقة تحرص على حضور مراسم استقبال زوار دبي القادمين إليها عن طريق مرسى السفن السياحية في ميناء راشد، ما يترك ابلغ الأثر في نفوس هؤلاء السياح، عندما نستقبلهم بالورود والموسيقى.

ولم تنس الفرقة الجوانب الإنسانية حيث تحرص على زيارة مركز «الشواب» للترفيه عن النزلاء من وقت إلى آخر، ولا يقتصر نشاط الفرقة على المناسبات المحلية بل امتد إلى المحافل الدولية حيث كانت فرقة موسيقى شرطة دبي، وقد أنجزت فرقتنا الموسيقية منذ 2002 وحتى2007 ما يقارب 1843 مشاركة اجتماعية ومناسبات خاصة بشرطة دبي».

وعن بداية تأسيس الفرقة يقول الرائد محمد الشاعر: «إن ما وصلت إليه الفرقة اليوم من تميز واضح في الأداء ورؤية مكتملة وواضحة، له تاريخ عريق يرجع إلى بداية التفكير في تأسيس فرقة نحاسية تابعة للشرطة في عام 1961، وأنشئت فعلياً في 19 مايو عام1962 وتتكون من 18عازفاً فقط، استخدموا العديد من آلات النفخ النحاسية الموجودة حالياً في متحف شرطة دبي.

وفي عام 1968 تم تكوين فرقة موسيقى القرب الذين خضعوا لدورة في إمارة الشارقة مدتها عشرة أشهر، قبل أن تباشر القيام بمهامها إلى جانب الفرقة النحاسية في بداية السبعينات ،اليوم ينتسب 160 عازفاً إلى الفرقة النحاسية، والقرب تم تدريبهم تدريباً جيداً، حيث يستخدمون النوتة الموسيقية، ويحفظون السلام الوطني لجميع دول العالم».

ويؤكد الرائد الشاعر حرص الإدارة الموسيقية في أكاديمية شرطة دبي على تحديث وتطوير الفرق من خلال تزويدها بين الحين والآخر بالآلات والمعدات الموسيقية الحديثة، ما أحدث نقلة نوعية في العمل الموسيقى والأداء من خلال إدخال الحاسوب المرتبط ببرنامج خاص لتأليف والتوزيع الموسيقى الذي قام حتى الآن بتأليف أكثر من 300 مقطوعة هذا إلى جانب تطوير المعزوفات القديمة وإدخال بعضا من الأغنيات الشهيرة العربية والخليجية ضمن إيقاعات المارشات العسكرية لتعزف في المناسبات العامة.

وفيما يخص الآلات الموسيقية التي تستخدمها الفرقة، يوضح الشاعر قائلاً: «إن الآشوريون هم أول من شكلوا الفرق الموسيقية العسكرية التي تضم مجموعة العازفين على الآلات الموسيقية فقد كانت ملابس الفرق الموسيقية العسكرية المرافقة ( كما صورت على النقوش) قبعة ذات ريش وملابس تنكرية».

واليوم.. تضم الفرق مجموعة كبيرة من الآلات الموسيقية النحاسية والنفخية والإيقاعية، ولكنها لا تتضمن الآلات الوترية وتقوم الفرق بالعزف وهي تسير، وعادة يتقدم الفرقة آلتا التيوبا أو الترومبون، وتتخذ الآلات الإيقاعية أو الطبول موقع الوسط.

بينما توضع آلات الساكسوفون والكلارينيت والفلوت في آخر الفرق، حيث يمكن سماعها بوضوح من الجميع، لأن هذه الآلات تقوم بوظيفة إضافية، وهي ضبط خطوة السير لدى عازفي الفرقة، تثبت النوتة الموسيقية على حمالة معدنية توضع على كل آلة، بحيث يراها العازف مباشرة.

أما فيما يخص مزمار القربة فهي آلة موسيقية هوائية تعزف عن طريق النفخ، وتتكوّن من خزّان ضيّق، حيث يُنفخ الهواء من طريق فم العازف.أما طريقة عملها فهي بسيطة، بحيث أن الهواء الذي يكون داخل الخزّان ينطلق منها بطريقة مستمرة باتجاه الأنابيب، إذ أن الحدود الداخلية تمتلك قصبة، وهي التي تسمح للصوت بالصدور بطريقة لحنية، بحيث أن هذه الأنابيب تكون مثقوبة.

ويطلق عليها «الأنابيب الطربية»، لكن ثمة نوع آخر يطلق عليها «الأنابيب نصف الطربية» والتي تكمن وظيفتها في الإنتاج الموسيقي، وتحتوي كذلك على أنبوب غير مثقوب وظيفته هو الآخر المحافظة على لحن، والأنبوب مجهّز بقصبة بسيطة (شريط متذبذب) أو(شريطين متذبذبين) والحالة الثانية هي الأكثر انتشاراً في فرنسا.

وفي هذا السياق، يشكّ بعض العلماء في أن مزمار القربة جاء من شبه جزيرة البلقان في آسيا الصغرى، وكانت نشأته في منطقة تراقبون. ويشير الرائد محمد الشاعر إلى تفاعل الجمهور الشديد مع موسيقى الفرقة النحاسية والقربة، المرتبطة بالأداء المنتظم المتحد في الخطوة والإيقاع، ولكن على الرغم من هذا الإعجاب والذي ينتهي بانتهاء العرض.

فالكثير من الناس يجهلون الجهد الذهني والبدني الذي تقوم به هذا الفرق أثناء القيام بواجبها او المراحل التي مر بها العازفون، لكي يستطيعوا الانضمام لفرقة الموسيقية والتي في كثير من الأحيان تصل إلى سنة ونصف السنة قبل أن يسمح للعازف بالمشاركة.

ويضيف الشاعر قائلاً: «من الصعب جداً أن ينتسب الأشخاص العاديون للفرقة النحاسية أو القرب، نظراً لوجود العديد من الشروط والمؤهلات أهمها الحس الموسيقى والرغبة القوية في التعلم، فمن ضمن 50 متقدماً لا يصل في النهاية إلى قاعة العازفين سوى خمسة أشخاص فقط توزع عليهم الآلات الموسيقية قياساً لقدراتهم الشخصية والبدنية.

ويشدد الرائد محمد الشاعر على أن الموسيقية هي اللغة العالمية التي تفهمها كل الشعوب في جميع أنحاء الكرة الأرضية، وهي التي تحرك الوجدان والأحاسيس وتتكون من الحروف نفسها.. لكنها تتعدد بتعدد الشعوب التي تستخدمها.

ويتغير لونها ومذاقها من شعب إلى آخر؛ حتى لتظنها لغات كثيرة، لا لغة واحدة.. وأيا كانت هذه الموسيقى صادرة عن آلات نفخ نحاسية أو قرب، فالكل يتجاوب ويتفاعل معها، فربما تكون المقطوعة التالية للعازف لمؤلف صيني أو روسي، وهو لا يجيد هاتين اللغتين، ولكنه بكل تأكيد يجيد موسيقاها.

مهام

تقدم كافة الخدمات الموسيقية في حرم الأكاديمية، من خلال المشاركة في البروفات الاعتيادية لدورات الطلبة المرشحين لدورات المستجدين والدوارات الأخرى، لتمكين الأرتال من ضبط خطى المشاة في المسير البطيء والمسير السريع والعروض العسكرية، لبث روح الحماس والثقة ولانضباط في نفوس الطلاب أثناء التخرج أو في طوابير العرض.

دبي ـ رشا عبدالمنعم