لايزال جمهور السينما المصرية والعربية يتحدث عن النجاح المتواصل للممثل الكوميدي أحمد حلمي، الذي يحققه للعام الثاني على التوالي، ويبدو أن ما فعله النجم عادل إمام في المنحى الذي اتخذه في أفلام تتناول قضايا سياسية مثل التطبيع في فيلم «السفارة في العمارة» وقضية العلاقة بين الأديان في «عمارة يعقوبيان» و» حسن ومرقص» قد ألقت به بعيداً عن شباك التذاكر.

نظراً لأن هذه القضايا والمسائل أصابت الجمهور بالملل لكثرة تناول الإعلام لها خاصة في القنوات الفضائية. ويجمع النقاد والجمهور على أن حلمي نجح مجدداً في اختيار موضوعات أفلامه السينمائية، ففي العام الماضي قدم فيلم» كده رضا» ونال إعجاب واستحسان الجمهور والنقاد على حد سواء، واستطاع أن يحقق أعلى إيرادات الموسم السينمائي الصيفي. وفي هذا العام أيضاً، استطاع حلمي أن يحافظ على نجاحه بتقديمه لفيلم «آسف على الإزعاج» الذي يقدم فيه قضية مهمة بعيدة عن قضايا «الضحك من أجل الضحك» والمشغول بها نجوم هذا الجيل، فالفيلم، كما رآه بعض النقاد، إضافة جديدة للممثل أحمد حلمي، وخطوة أخرى على طريق الاجتهاد نحو تقديم عمل فني يحترم عقل الجمهور وسط عدد كبير من الأعمال الاستهلاكية الضعيفة فنياً.

ويتقدم الفيلم أفلام كل النجوم التي تعرض حالياً، وجاء ملفتاً ولاقى ترحيباً جماهيرياً ترجمته الإيرادات، حيث يحقق دخلاً قدره مليون جنيه في كل يوم عرض، وهو ما لم يحققه أي فيلم آخر خلال السنوات الماضية ليتربع الفيلم على القمة. وإلى ذلك، تكمن الأهمية الحقيقية للفيلم في أحمد حلمي نفسه الذي حرص على تطوير الأفلام التي يقدمها، واتضح أنه يبحث عن أفكار ومعالجات فنية لا يتوقعها الجمهور من ممثل خرج من جراب المضحكين الجدد، وفي الوقت ذاته تكون مبهجة بدرجة كافية.

لكن كل هذا على مستوى أفلام السينما المصرية الكوميدية التي تعرض في شهور الصيف الحارة، ويجد المشاهد في ساعات مشاهدتها في قاعات السينما المكيفة الهواء فرصة للراحة والضحك في آن، إذ أن فيلم» آسف على الإزعاج»، في الواقع لا يقدم فكرة جديدة، وسرعان ما يقفز لذهن المشاهد - بعد استكمال مشاهدة الفيلم - أحداث الفيلم الأميركي»العقل الجميل» لراسل كرو الذي تدور فكرته حول مطاردة بعض الهواجس لإنسان يتمتع بالذكاء من خلال شخصيات تظهر أمامه.

ومواقف غير حقيقية تحدث له، ولكنه يعيشها بكل تفاصيلها، إنها أشبه بحالة مرضية تعرف في علم النفس بالفصام، ورغم ذلك فإن حلمي استطاع بعبقرية أن يقدم معالجة مختلفة تماماً، وجديدة لأن الفيلم الأميركي قدم قصة حقيقية لعالم رياضيات واقتصاد، ذهب بذكائه المدهش إلى جائزة نوبل مباشرة، أما في فيلم» كده رضا»، فالقصة متخيلة لأحد الشباب الذي يفشل في التعايش مع المجتمع، بعد وفاة والده الذي كان يحبه ويتعلق به لدرجة كبيرة جدا.

تدور قصة الفيلم حول حسن ذلك الشاب الذكي(أحمد حلمي)، الذي لم يستطع إدراك أن الحياة يمكن أن تستمر بعد وفاة والده (محمود حميدة)، وفي الوقت ذاته، يتصور أنه مضطهد من خلال رؤسائه وزملائه في عمله كمهندس طيران ممتاز، فلا يجد سوى رئيس الجمهورية شخصياً ليشكو له، ويعاني أيضاً حسن من فراغ نفسي وعاطفي، فيتوهم قصة حب مع فتاة شاهدها في أحد المقاهي (منة شلبي).

ويتمنى أن تكون حبيبته بل يتوهم أنه تزوجها، وأنجب منها طفلين بل حضر والده ووالدته عيد ميلاد أحدهما، ويتوهم حسن أيضا أنه يقود «موتوسيكل» بمهارة لأن والدته (دلال عبد العزيز) التي تخاف عليه كثيرا منعته من ذلك، ولأنه غير اجتماعي فإنه يتوهم أن له صديقا (محمد شرف) يذهب إليه في المقهى ويتحدثان ويتسامران سوية.

وبعيداً عن قصة الفيلم ـ وبنظرة أكثر تدقيقا للأحداث فقد تطورت بسرعة كبيرة مستوى كتابة الشاعر الغنائي أيمن بهجت قمر في السيناريو، فبعد فيلمه «عندليب الدقي» العام الماضي توقع الجميع أن يعتزل قمر الكتابة السينمائية، خاصة بعد المستوى الضعيف للفيلم الذي لم يحقق أي نجاح يذكر، ولكنه الآن وفي» آسف على الإزعاج» استطاع أن يقنع الجميع بما لا يدع مجالا للشك إنه سيناريست موهوب.

خاصة بعد نجاحه في بناء شخصية «حسن» بكثير من الوعي والفهم لطبيعة الشخصية، وفي الوقت أقام البناء الدرامي للفيلم ككل من وجهة نظر البطل الذي لا نكتشف أنه مريض، إلا عندما يكتشف هو نفسه ذلك، وهذا منح الفيلم الهادئ الكثير من الإثارة، وظل الاستمتاع بالمشاهد والمواقف يصاحبنا طوال الفيلم.

القاهرة- دار الإعلام العربية