على خشبة المسرح يرتدي الفنانون أقنعة تتناسب مع أدوارهم. ويبقى على الجمهور المتلقي أن يقبل هذا النص المضحك أو يرفضه، هذه مدلولات طبيعية عن المسرح الكوميدي، لكن أن تظهر سحنة أجنبية لتقول نكتة ما بلسان عربي، قد تكون مدعاة للتساؤل: من هذا؟ وكيف يتحدث عن قضايا اجتماعية عربية مستوحاة من واقعنا؟

الأغرب أن البعض يعلم أن خلف الكوميديا هناك رسالة حزينة عن واقع اليم، لكن الفنان الكوميدي الارتجالي ونهو أشوك تشونغ صاحب الوجه الكوري لا ينقل سوى صراعاته الداخلية، التي يعاني منها الشباب العربي، فضول كبير ساورنا لنتعرف على هذا الفنان الذي يستهل حديثه بالقول يعلم الكثيرين إن المسرح كان وسيلة إعلامية رافقت التطور الحضاري العالمي.وكان الحجر الأساس لتسلسل ظهور فن السينما والدراما فيما بعد، حيث يرجع المؤرخون أن بداية المسرحيات الكوميدية كان على المسارح الإغريقية، وهي أقدم ما عرفته الإنسانية، وبنيت على ركائز دينية وعقائدية، من خلال إقامة احتفالين في السنة الأولى في فصل الشتاء.

ويكون بمناسبة جني العنب وعصر الخمر فتنشد فيه الأناشيد الدينية، وتعد له حلقات ومسابقات للرقص مترافقة مع الأغنيات. وهذا النوع هو الذي يطلق عليه «الكوميديا»، أما الاحتفال الثاني فيكون في فصل الربيع حيث تكون الكروم قد جفت وتجهمت الطبيعة، وهو حفل حزين وهذا ما أطلق عليه فيما بعد «التراجيديا».وأضاف تشونغ قائلاً: «على الرغم من أن بداية المسرح الكوميدي كانت تعتمد بشكل مباشر على القضايا السياسية والدينية، لكن خلال مسيرتي في هذا المجال حرصت دائماً على الابتعاد عن القضايا السياسية والدينية، لأنها أماكن ملغومة عند المجتمع العربي. وأخشى أن يقال أنت كوري، لماذا تتكلم عن مشكلاتنا، لذلك حاولت إقامة رسالتي في الكوميديا الارتجالية من بعض قضايا الصراع النفسي الذي يعاني منه كل من كان يحمل جنسية وشكلاً مختلفاً عن العرب، لكنه عاش في هذه البلدان، وأصبح يعد نفسه أكثر عروبة من البعض.

ويقول ونهو: «إن إحلال السلام العالمي من خلال الكوميديا الارتجالية واحدة من القضايا التي تشغل بالي، لاسيما أن البعض ممن عاشوا تجربة مشابهة لما عشته كوني كوري الجنسية تعلمت وترعرعت في دولة عربية، أعرف عنها الشيء الكثير الذي لا أعرفه عن بلدي الأم، أثار في فكري مجموعة من الحقائق أهمها.

لماذا التنازع بين الغرب والشرق ومتى سيصل العالم إلى حقيقة واحدة، إننا جميعا بشر مهما اختلفت أشكالنا أو قيمنا وحتى عاداتنا، فمع غياب الشمس ونهاية النهار يبزغ مفهوم الإنسانية الذي تناساه البعض خلال النهار».

وأوضح ونهو أن الأدوار التي نقوم بها تكون مستقاة من الواقع العربي البحت، فهناك بعض العادات والتقاليد العربية المتعارف عليها بشكل عام تختلف من ناحية التطبيق بين هذه البلدان، على الرغم من أن أصلها واحد، لذا نمزج بين الواقع والعادات والتقاليد بطريقة لا تخدش حياء العادات العربية، ونوظفها بفقرات كوميديا ارتجالية يمكن من خلالها إيصال معلومة الرسالة المبتغاة من ورائها.

وعن سبب موافقته على خوض هذه التجربة، أوضح أن هناك مجموعة من العوامل التي دفعته لخوض هذه الخطوة، منها سعيه إلى أن يذكر التاريخ اسم ونهو في عالم الكوميديا الارتجالية، كونه متعلقاً بالمجتمع العربي.

وأول شخص أجنبي الأصل يتطرق إلى الكوميديا الارتجالية باللغة العربية، ، بالإضافة إلى مجموعة من العوامل النفسية منها حب السفر والاستكشاف. ويعتبر ونهو أن الكوميديا لها مردود في الاتصال أسرع من التراجيديا في استيعاب الفكرة المحورية التي يتناولها مضمون العمل الدرامي، شريطة أن لا يخرج الطرح عن حدود الشكل أو المضمون.

ومن جهته قال جميل أبو وردة مدير قسم الإنتاج و البرامج المبتكرة (الجديدة) في شبكة قنوات «شوتايم»: «إن بداية الفكرة كانت جزءاً من مخطط الشبكة لتسليط الضوء على قناتها الكوميدية من خلال تعريف المجتمع العربي بالكوميديا الارتجالية، لذا كانت البداية بجلب مجموعة من الكوميديين الغربيين من أصل عربي».

وأضاف قائلاً: «الخطوة الأولى كانت مع فريق كوميدي ارتجالي مكون من ثلاثي تعود أصولهم إلى مصر وفلسطين وإيران، تبنوا اسم «فرقة محور الشر الكوميدية» ليسخروا من وصف الرئيس الأميركي لهم، ولنشر صورة ايجابية للعرب في أميركا من خلال الضحك.

كانت حلقة الوصل بالنسبة لي هي قولهم على المسرح دائما و بشكل ساخر: «نحن فلسطيني ومصري وإيراني وبحاجة إلى كوري ليكتمل لدينا محور الشر» ، فانتهزت فرصة لقائي ونهو تشونج لتوظيفه كشخصية تقدم الثلاثي للعالم العربي من خلال المسرح، وعلى الشاشة. حينها نظمت عروض الكوميديا بتغطية تلفزيونية في كل من دبي والكويت ومصر ولبنان ولاقت إعجابا كبيرا لدى الجمهور العربي.

وأكد أبو وردة أن أهمية هذا النوع من الكوميديا التي ستقوم قناة شو تايم بنشره بشكل أوسع مع مطلع العام المقبل تكمن في قدرته على صهر جميع الثقافات والحضارات في رسالة إعلامية، مفادها أن الإنسان مهما اختلف شكله ولسانه يبقى بشراً، وتبقى الفكاهة والضحكة الرسالة الأرقى التي تزيل جميع الضغائن والأحقاد.

وردا على سؤال عن أهم المعوقات التي يعاني منها هذا الفن، أجاب أن الخوف من سوء فهم النكتة قد تمس عواطف وأحاسيس المتلقي دونما قصد من الفنان المرتجل، لاسيما وان الوقوف على المسرح سيكون ارتجالياً دون وجود نص أو «اوتكيو» أمامه، بالإضافة إلى عدم معرفة ردة الفعل الحقيقية بالنسبة للجمهور العربي وإذا كان سيتقبله أم لا.