لا خلاف على أهمية دور السينما التنويري، والدعائي في الوقت نفسه. وقد استخدمت السينما منذ بداية الثلاثينات في حمل وجهات نظر «سياسية واجتماعية» بهدف الدعوة لها والوصول بها إلى أكبر عدد من الجماهير، حتى تنحاز وتقبل الأفكار المطروحة. ولجأت ألمانيا النازية وروسيا الشيوعية للسينما كأداة سياسية تعبر وتدعو إلى أفكارها ومجتمعاتها الجديدة.

وبتغير شكل «الاستعمار» من استعمار استيطاني وجيوش احتلال تعتمد على القوة، إلى استعمار جديد يتشكل في صورة الشركات العملاقة التي جندت السينما كمدفعية ثقيلة في التمهيد للوصول إلى الاستيلاء على عقل ووجدان الآخر، ومحاولة غسل مخه، بحيث يتقبل الصورة الجديدة للعالم وقبول الآخر، كنموذج يحتذى به سواء في طريقة الحياة الاجتماعية، أو بتبني أفكار وأطروحات مغايرة لما هو معتاد عليه.وهو ما فعلته السينما الأميركية في عام 2008، حيث برعت في تقديم مجموعة من الأفلام ذات التكنيك الفني العالي، المعتمد على إبهار الجرافيك والأنميشين والخدع السينمائية، والسيناريو المتقن والأداء الجيد، بهدف اختراق عقل المشاهد، وهز مفاهيمه الراسخة.

بالإضافة إلى زرع أفكار ورؤى واتجاهات، تحاول إعادة صياغة وجدان المتلقي الذي لا يجد أمامه إلا التعاطف الذي يعكس حالة من الكآبة، والنقد المستمر لكل الأوضاع المقلوبة، التي تسلبه انتماءه وتحوله إلى حالم بعالم آخر.وفي رصد لقائمة أفلام هوليوود الأكثر إثارة لموسم صيف هذا العام، يلفت الأنظار تناولها لقضايا شائكة أو تمريرها لما تريد من معلومات من خلال قصص خرافية أو تكرار لأجزاء ناجحة من سلاسل أعمال تركت مخزونا إيجابيا لدى المشاهد، ورصدت لنجاح ذلك ميزانيات خيالية، كما شارك في بطولتها كبار نجوم ونجمات السينما العالمية.ومن أبرز هذه الأفلام الجزء الرابع من سلسلة أفلام «إنديانا جونز ومملكة الجمجمة الكريستالية» وهو الفيلم الذي شاهده ملايين المتفرجين حول العالم، للمخرج ستيفن سبيلبرغ وبطولة هاريسون فورد وكيت بلانشيت، قدرت تكلفته ب125 مليون دولار، وأرباحه في طريقها لتتعدي حاجز المليار دولار.

أطل علينا أيضا النجم الأسمر ويل سميث مع تشارليز ثيرون في فيلم «هانكوك»، إخراج بيتر بريج الذي سبق أن شاهد الجمهور له فيلم «المملكة» العام الماضي.

وتدور أحداث فيلم «هانكوك» حول نجم مشهور أدمن الخمر ويستعين بأحد المتخصصين لإعادة تأهيله وتصحيح صورته أمام جماهيره، ولكن النجم يقيم علاقة غرام سرية مع زوجة هذا الخبير الأمر الذي يعقد الأمور.

ميزانية الفيلم بلغت 120 مليون دولار والمتوقع أن يحقق إيرادات تفوق 500 مليون دولار من العرض داخل أميركا وخارجها.

أما انجلينا جولي فيعد فيلمها «المطلوب» والذي مازال يعرض في دور السينما العالمية، أكثر الأفلام إثارة لهذا العام ويشاركها النجم الأسمر مورجان فريمان وجيمس ماكفوري بطولته.

وتدور أحداث الفيلم حول شاب يكتشف أن والده الغائب عنه منذ سنوات قد فارق الحياة ويتوصل إلى أنه كان يعمل كقاتل مأجور، فتحاول المنظمة التي كان يعمل لديها الأب تجنيد الابن لكي يحل محله.

وفي أوائل مايو الماضي عرض فيلم «الرجل الحديدي» الذي شارك بطولته كل من النجمة جوينيث بالترو، وروبرت داوني الابن وصامويل جاكسون، وتناولت أحداثه قصة توني سبارك الذي يضطر لابتكار رداء واق لحمايته، حيث قرر أن يستخدمه لمحاربة الشر والجريمة.

الفيلم إخراج جون فافرو، وحقق ما يقرب من 350 مليون دولار أثناء عرضة خارج الولايات المتحدة.

أفلام الأطفال والكارتون كان لها نصيب كبير هذا العام، حيث عرض فيلم «بندا الكونغ فو»، وفيلم آخر متميز هو «أسطورة نارينا، الأمير كاسبيان» وهو الجزء الثاني من «أسطورة نارينا».

وشارك في بطولته جيمس ماكفوي وجورجي هيلينا وأنا بيوبلويل والأطفال الصغار الذين شاركوا في الجزء الأول من «أسطورة نارينا، الأسد والساحرة والدولاب»، قدرت ميزانية الفيلم ب100 مليون دولار وحقق أرباحا قدرت ب250 مليون دولار داخل الولايات المتحدة فقط و600 مليون دولار خارجها.

ودارت أحداثه حول الأمير كاسبيان الذي يفاجأ بالأخوة الأربعة يدخلون إلى عالم نارينا من جديد بعد مرور أكثر من 400 عام على رحيلهم بهدف مساعدته على استرجاع حقه كملك لعرش البلاد من «ميزار» الذي نصب نفسه ملكا على المملكة غصبا.

ويشارك فيلم «Wall E» في المنافسة لهذا العام وهو للمخرج أندروستانتون، والذي يدور حول إنسان آلي صغير يقضي أغلب وقته في القيام بواجباته ومهامه الوظيفية، لكن هذا لم يبعده عن حلمه في البحث عن وطن له في العالم الخارجي، قدرت ميزانية الفيلم ب120 مليون دولار، ومن المتوقع أن تصل أرباحه إلى 450 مليون دولار.

كما ينضم أيضا لقائمة أكثر الأفلام الأميركية إثارة لعام 2008 فيلم «ابن رامبو» و«فارس الظلام» وفيلم «هالك الرهيب» الجزء الثاني من سلسلة الرجل الأخضر في عمل أكثر قوة وأعمق تنفيذا وأداء من الجزء الأول الذي لم يحقق النجاح المرجو منه.

ولأن مسلسل أفلام الأجزاء ظاهرة تتكرر بوضوح هذا العام فيأتي الجزء الثالث من سلسلة أفلام المومياء تحت عنوان «المومياء وقبر الإمبراطور التنين» وتدور أحداثه في الصين حول إمبراطور صيني يعود من الموت في شكل مخلوق خارق لينتقم من الذين القوا عليه اللعنة.

وهو من إخراج روب كوهن، ويعرض الآن في صالات السينما المحلية، ومن المتوقع أن يحقق أرباحا تصل إلى 150 مليون دولار داخل الولايات المتحدة وما يقرب من 450 مليون دولار خارجها، والجدير بالذكر أن ميزانية هذا الفيلم وصلت إلى 175 مليون دولار.

أما عن أفلام الرعب فقد تصدر القائمة فيلم «العمى» بطولة جوليان مور ومارك روفالو ومن إخراج فيرناندو ميرليس، وهو مقتبس من رواية البرتغالي جوزيه سارامجوا، حيث تدور أحداثه حول قصة مثيرة لزوجة أحد الأطباء المشهورين في العالم، تصبح هي الوحيدة التي تستطيع أن ترى بعد أن أصيب الجميع بالعمى والجدير بالذكر أن ميزانية الفيلم قدرت بحوالي 40 مليون دولار وحقق أرباحا وصلت إلى 110 ملايين دولار خارج الولايات المتحدة الأميركية.

الشيء الغريب والذي لم يعد جديدا كي نقول إنه مصادفة، هو رغبة صناع السينما في هوليوود كي يحاصرونا كل عام بهذا العدد من أفلام الرعب والخيال لتملأ شاشات العرض.

ولا نستطيع أمام الصور الخلاقة المليئة بالحيل السينمائية، إلا أن نفتح أفواهنا منبهرين بكلمة «واو» من الإنتاج الضخم الذي يتكلف الملايين، لنصطدم بمادة فكرية هزيلة تحتال بها هوليوود على العقول لأنها موجهة أساسا للأطفال والمراهقين، يفلت منها عمل أو اثنين مثل فيلم «ماما ميا «أو «الحب في زمن الكوليرا»، ولتظل السينما الأميركية الأكثر إنتاجا والأكثر قوة، ونظل نتفرج على مصيبتنا و«نمصمص» شفاهنا على حظنا العاثر.

أعلم تمام العلم، كما يعلم الجميع، أن للسينما قانونها التجاري القاسي، الذي يطاوع ذوق الجمهور العام، ولكني أعرف أيضا أن هناك سياسات ثقافية متبعة في البلاد التي تحترم نفسها.

وتعتبر السينما فنا جميلا يجب حمايته والدفاع عنه، وأن من الواجب على مؤسساتنا الثقافية أن تدعم بشكل أو بآخر هذا النوع من الأفلام الجيدة وأن تتيح له عروضا معقولة بجوار كم أفلام العنف والدم والخرافات والضجيج الذي يحاصرنا، خصوصا أن الصورة أصبحت في أيامنا هذه من أكثر وسائل الثقافة انتشارا ورواجا.

زووم إن

مازال في جعبة صناع السينما في هوليوود أفلام يتم تجهيزها لتعرض في نهاية عام 2008، منها فيلم» بوند22» والذي يعرض تحت عنوان «أحرقه بعد قراءته»، وفيلم «هاري بوتر والأمير نصف الساحر» و«فالكيري» للنجم توم كروز، وفيلم «فروست نكسون» و«المتسابق السريع»، وكلها أعمال تعتمد على تكنولوجيا الإثارة، والميزانيات الكبيرة التي تحقق أرباحا قياسية.

دبي ـ أسامة عسل