الموسيقى لغة النفوس، والألحان نسيمات لطيفة تهزّ أوتار العواطف.. هي أنامل رقيقة تطرق باب المشاعر وتنبه الذاكرة، بهذه العبارة وصف جبران خليل جبران الموسيقى، وآلة العود، فما عسانا أن نصف نغمات العود وهي تنطلق في باحة مركز «دبي فستيفال سيتي» من أنامل عازفة سويدية من أصول لبنانية لملمت الأنواط السابحة في الفضاء، وجمعتها في ألحان عربية تراثية مقلدة فيروز وعبد الحليم وعازفة على مقامات متعددة بين النهوند والكرد والحجاز، لتصدح في المركز أغنيات أصيلة لكل منا ذكرياته مع أنغامها.

تجربة حديثة تشهدها مراكز التسوق في إمارة دبي دفعتنا للتعرف على المغنية والعازفة نينا عود كما يطلق عليها الناس، التي تستهل حديثها بالقول:« إن العزف في مركز التسوق يعتبر من التجارب المميزة في مسيرتي الفني، كونها تعطي دافعاً لمعرفة مدى تجاوب الجمهور مع هذا العازف أو ذاك، فمن يذهب لحفلة موسيقية على مسرح يكون الجمهور فيها مهيأ نفسياً لسماع ألحانه، فيطرب فيها ويطالب ببعض الأغنيات والمقطوعات الموسيقية، لاسيما وانه دفع مبالغ مالية لسماع هذه الألحان والنغمات، لكن أن يكون القصد من ذهاب الفرد للتسوق ويشده لحن معين يبقى أمامه متسمراً في مكانه، هذا ما يسمى بالخروج عن المألوف.

ويبقى عامل الفضول والرغبة لمعرفة المقطوعة التالية هو الأهم لاجتذاب المتلقي، وإذا لم يعجبه هذا اللحن أو الصوت فهو غير ملزم بالبقاء، لكن تجربتي مميزة لأن الجمهور لا يفارقني طيلة الساعات الثلاث التي أعزف فيها في باحة المركز. أما أكثر الأغنيات والألحان طلباً بالنسبة لجمهور مراكز التسوق، تقول نينا:« إن أغنيات عبد الحليم وفيروز هي الأكثر شيوعاً، أما كوكب الشرق الراحلة أم كلثوم لا تلقى رواجا في أمسيات مراكز التسوق، لمجموعة من العوامل أهمها أن ألحان وكلمات هذه الفنانة تحتاج إلى أجواء خاصة ينتقل المتلقي فيها إلى تلك الحقبة من الزمن، بالإضافة إلى أن جمهور الفنانة أم كلثوم خاص وصاحب مزاج عال يرغب في إطلاق العنان لذهنه وخياله، وبالتأكيد هذا المكان الذي يعج بالحركة لا يتلاءم مع جو الرومانسية التي تضفيها كلمات أم كلثوم.

وأوضحت أن جمهور مراكز التسوق يضم جميع الفئات العمرية وكافة الجنسيات التي تحتضنها إمارة دبي، إلا أن هذا التباين لا يمثل معضلة بالنسبة لمدى إقبال الجمهور للاستماع إلى ألحاني، بل على العكس من ذلك تماماً، لأن تنوع المستمعين يساعد في معرفة الأذواق والألحان التي أبرع فيها، مقارنة بالأخرى التي أعزفها، أما بالنسبة لغير العرب فكثير منهم يجذبه اللحن الشرقي الذي يمثل بالنسبة لهم طابعاً غريباً يستلذون بمعرفته وسماعه. وأكدت نينا عود أن دخول المرأة إلى عالم الموسيقى، لم يكن صدفة بل قد تكون تجربتها أكثر كفاءة من الرجل في هذا المجال، كونها أكثر عاطفة ورومانسية من نظيرها الرجل الذي يتعامل مع المفردات الحياتية بطريقة جافة، أما عن تجربتي الخاصة في هذا المضمار، فلم تكن مكللة بالورود.

كما يعتقد البعض، بل عانيت من بعض المصاعب منها أن يد المرأة على أوتار العود تكون أرق من الرجل، وهذا لا يكتشف إلا إذا بدأت بالعزف مع فرقة موسيقية كلها رجال، وهذا ما حصل معي في بداياتي مما اضطرني لعدم إكمال «السولو» والانسحاب، أما اليوم فأنا عازمة على المضي قدماً إلى جانب الرجل بلا خوف من قوة أنامله على أوتار العود.

ورداً على سؤال عن بداياتها، أجابت نينا بالقول:« عزفت للمرة الأولى أمام جمهور متنوع في «مهرجان الماء» الذي كان يقام في السويد مع مجموعة من الفنانين العالميين، وهي تجربة مفيدة نوعاً ما لأن ثقافة المتلقي تختلف عن الجمهور العربي، وعليه فإن الرهان ليتقبلني الجمهور سيكون للحن والموسيقى وطريقة العزف على العود ومدى نجاحها في دغدغة مشاعرهم.

أما عن بدايات تعلم العود فكانت في معهد الموسيقى العربية في القاهرة، وكانت محض الصدفة التي جمعت بيني وبين هذه الآلة، لأن تعلقي كان أكبر في آلة «الأكورديون»، إلا أن العود الآلة الوحيدة التي أتيحت في المعهد في ذاك الوقت، وأضحت فيما بعد الصديق الوفي الذي لا أستغني عنه مهما حدث.

وعن أهم الخطط المستقبلية التي تسعى لتنفيذها، قالت نينا:« حلمي أن أكون فرقة موسيقية تضم عازفين على كافة الآلات الموسيقية العربية وبعض الآلات الغربية تحت سقف واحد، لكن هذا الحلم يعتمد بالدرجة الأساس على الأموال التي لم أوفرها لحد هذه اللحظة، إلا أنني أخطو الخطوات الأولى لإنتاج البوم غنائي في القاهرة يجمع ما بين موسيقى «jazz oriental »، وبطريقة تعد جديدة على الساحة، ليس فقط بالأساليب الحديثة المستخدمة لمعالجة الإيقاعات الموسيقية، وإنما أيضا بفريق عمل الألبوم والذي جمع مجموعة من الفنانين المبتدئين والمبدعين في الوقت ذاته.

وتؤكد أن الانضمام إلى المعاهد الأكاديمية للموسيقى يعتبر خطوة ناجحة بالنسبة للعازف، كونه يحصل على القواعد الأساسية للنوتات الموسيقية، لكن هذه الخطوة تبقى ناقصة إذا لم يقم الموسيقي بصقلها وتجميلها، لذلك قررت الانضمام إلى« بيت العود» في القاهرة بعد التخرج لتنهل من خبرة الموسيقار نصير شمة الذي كان له تأثير كبير في رفع مستوى الحماس الفني في حياة كثير من الفنانين الذين تتلمذوا على يديه، واصفة إياه على انه يشبه المدرب المتحمس لفوز لاعبيه في سباق «الماراثون» فما أن يشعر أن العازف بدأ يمل أو يضجر أو يتعب حتى يأخذ بيده ويدفعه إلى الأمام.

دبي ـ فضيلة نجيب