فتاة فلسطينية من بروكلين، تعود إلى أرض جدّها، تحمل حقيبة لكن الحمل الأكبر كان القضية، والمشاهد تفتيش وقمع وكدح يومي لحياة تهرب من ذل المحتل الإسرائيلي الغاصب لأرض فلسطين.. هكذا يسرد السيناريو الأحداث في الفيلم الفلسطيني «ملح هذا البحر» لمخرجته آن ماري جاسر التي كافأتها سلطات الاحتلال عليه، بمنعها من دخول الأراضي الفلسطينية المحتلة.

الفيلم يتوسط الطريق بين العمل التنفيذي والفيلم السياسي الوجداني، لكن السعي دوماً إلى تنوير جمهور الغرب الأوروبي والأميركي بمعلومات عن القضية الفلسطينية، يسلب الفيلم كل امكانية للابتكار، ويجعله خطابياً وبسيطاً في نظر الكثيرين، كما أن الفيلم يكشف عن مشكلة أن القضية الفلسطينية موجودة في كل مكان نراها يومياً في نشرات الأخبار، والسينما نادراً ما تكسر الصورة المرسلة من بعيد. في الدورة الماضية من مهرجان كان السينمائي، عرضت آن ماري جاسر فيلمها «ملح هذا البحر» و«الحواس الخمس» راقبت صدى الفيلم والأحداث وجاء هذا الحوار:

كيف ولدت فكرة الفيلم؟ كنت منذ البداية مسكونة بهذا السؤال: «بعد ثلاثة أو أربعة أجيال على نكبة فلسطين، ألا يزال حق العودة موجوداً؟». ثريا (بطلة الفيلم) تأتي إلى فلسطين للمرة الأولى بعدما حلمت بها لسنوات خلت، أما أنا فأعرفها واعرف أن الذين في الخارج يحلمون بفلسطين ولكنهم لم يروها. هي تريد أن تأتي إلى فلسطين، أما هو (البطل) فيريد مغادرتها، ومن خلال رغبة الذين يعيشون في ظل الاحتلال العسكري الإسرائيلي في الخروج، نجد في الفيلم بطلين مهمّشين. هما نوع من لاجئين، سواء في الداخل أو الخارج. أنا فلسطينية من الحدود، وكنت آتي من الأردن إلى فلسطين.

لم يكن والداي يتحدثان كثيراً عن فلسطين معنا أو عن السياسة. ولكن رأينا، عندما كنا أولادا، الجيش على الحدود مع الأردن، وعبرنا تلك الحدود، وكنا شهوداً على ما تعرّض له الأهل من عسف. كنت أرى جيداً وجه أمي المذلولة، وأتذكره عميقاً وأنا صغيرة، وكان ذلك يؤثر فيّ إلى درجة بعيدة. فكانت المرة الأولى التي أرى فيها أمي تبكي.

في الفيلم حادثة محاولة استيلاء على مال من مصرف، وغريب أن يضطر الإنسان إلى سرقة ماله، هل كان ذلك إشارة إلى استحقاقية ما؟

المال حقهم. ولكن كل ما نفعله نحن الفلسطينيين نُعتبر فيه غير محقّين.. «مجرمون» اذا صح التعبير. فكل شيء ممنوع عليهم، وعندما تتاح لهم فرصة اختراق شيء ما، يختار هؤلاء الجناية. لذا كان إنجاز هذا الفيلم بطريقة غير شرعية.

والفيلم فيه الكثير مما ردده الشاعر الراحل محمود درويش، ومن خلال مشهد المطار الذي يدوم عشر دقائق، أردت القول إننا نبقى في المطار دائما أكثر من اللازم، وأنا، مثل سائر الفلسطينيين، أدركت أنني فلسطينية عندما كان عليَّ عبور الحدود.

لماذا جرى تصوير الجزء الأكبر من الفيلم في الأراضي المحتلة؟

رام الله سجن من جدار وهواجس. عندما أكون في رام الله يقع عليّ ضغط مستمر. وعندما أغادرها وأذهب إلى أراضي 48، تعود إليّ الحياة، وأعود لأتنفس من جديد. في اللحظة التي تغادر فيها رام الله، يتفتح العالم في وجهك مجدداً. هذا هو الإحساس الذي أردت أن يغلّف الفيلم.

ولكن سكان إسرائيل ليسوا أحراراً أيضاً. ففي ذلك المكان سجن من نوع آخر: سجن نفسي. لا يسعهم أن يكونوا فلسطينيين ولكنهم يرون فلسطين في كل مكان وكل شيء. في كل منزل وفي كل صخرة أرى كل التفاصيل، وأشعر أني أعيش في بُعد آخر.

كيف وقع اختيارك على الممثلين؟

سهير حماد (ثريا) أعرفها منذ زمن بعيد، ولكنها ليست ممثلة بل شاعرة، وكانت صورة طبق الأصل لثريا. نشأت وترعرعت في بروكلين وسط بيئة من المهاجرين، لكنها حافظت على انتمائها. أما صالح بكري، فلم أكن أراه في البداية لدور عماد. ذلك انه يحمل الجنسية الإسرائيلية. ثم اكتشفت أن في ذاكرته أحاسيس ملتبسة على وشك الانفجار. جعلته يعيش على مدار شهر في مخيّم قبل التصوير، وعملنا على الشخصية بنحو مكثّف.

هل درستِ السينما في معهد؟

عشت لفترة في السعودية، ثم عملت في السينما وأخرجتُ مسرحيات عندما انتقلت للعمل والعيش في الولايات المتحدة.

تحمل المخرجة آن ماري جاسر الجنسيتين الأميركية والأردنية. لكن، بعدما اكتشفت السلطات الإسرائيلية أمر التصوير، لم يعد في امكانها العودة إلى الأراضي المحتلة. تملك جاسر شقة في رام الله ولكن مُنعت من العودة إليها.

وهي الآن تمكث منتظرة في الأردن. خلال التصوير كان عليها أن تلتقط مشاهد في فلسطين ولكنهم منعوها من الدخول. أما المشهد الذي تلقي فيه الشرطة القبض على عماد صديق ثريا (صالح بكري) اضطرت جاسر إلى تصويره في مرسيليا (فرنسا).

قبل عرضه في مهرجان كان، في قسم «نظرة ما»، كان من المفترض أن يكون للفيلم عرض تمهيدي في رام الله لكنه أُلغي، وتعتبر جاسر أن مهرجان كان برستيج وفخر ووسام للفيلم، ولكن اللحظة المنتظرة بالنسبة إليها هي عرض الفيلم في فلسطين تحيّةً للناس والأرض وفريق العمل.

بيروت ـ هوفيك حبشيان