محمود لبيب حلاق الرؤساء المصريين جمال عبد الناصر وأنور السادات وحسني مبارك كانت أمنيته أن يصبح ميكانيكي سيارات، ولما فشل في تحقيق ذلك عمل صبياً في صالون حلاقة، فعايره البعض بأن حياته ومستقبله سيكونان بين رؤوس الزبائن.. لكن الأيام تواصلت، وأصبح الصبي أحد أشهر من مارسوا المهنة في الأربعين عاماً الماضية في مصر، لأنه وبكل بساطة أصبح يحمل لقب «حلاق الريس»..
تجربة فريدة من نوعها مر بها محمود لبيب، تعامل فيها مع رؤوس مصريين وعرب.. التقيناه لنتعرف على مشواره الذي تبدل من المفاتيح والبوجيهات إلى المقص والأمشاط. في حي «الظاهر» أحد الأحياء العتيقة في قلب العاصمة المصرية ولد ونشأ محمود لبيب، لأسرة تنتمي إلى محافظة الشرقية في دلتا مصر، بدأ كعادة كثيرين من أبناء الأسر المصرية الكادحة في العمل منذ بلغ العاشرة من عمره، كان شغوفا بمتابعة السيارات التي يشاهدها في شوارع العاصمة. وكم تمنى أن يفكك إحداها ويدرس كل جزء فيها، لذلك أراد أن يعمل في إحدى الورش الميكانيكية، ولم يتحقق له ذلك، فالتحق كأحد أصدقائه بأحد صالونات الحلاقة.. لم تكن وظيفته الجديدة بالطبع هي الحلاقة للزبائن، بل عُهد إليه في البداية بتنظيف الصالون من شعر الزبائن.
وعن هذه الفترة يقول لبيب: أمضيت في عملي الجديد نحو سبعة أشهر أقوم بتنظيف الصالون، لكنني كنت في الوقت ذاته، أراقب «الأسطى» الذي يقوم بالحلاقة لأرى كيف يمارس عمله، كيف يقبض على خصلات الشعر، وكيف يستخدم المشط والمقص في تآلف وسرعة، بل كيف يتجاذب أطراف الحديث مع الزبون، حتى لا يشعر بأي ملل أثناء الحلاقة. لم يطل الأمر بالصبي محمود في أول صالون عمل فيه، فقد انتقل بعد أقل من عام إلى صالون آخر في منطقة الحسين العتيقة، وهناك عمل «أسطى» تحت التدريب، فبدأ يتعلم أشياء كثيرة لم تمر عليه من قبل، أضافت له خبرات كثيرة، عندها رجع إلى شارع قصر النيل في وسط العاصمة المصرية، والتحق بأحد أشهر صالونات الحلاقة فيه، وكان يديره ويعمل فيه رجل أوروبي من الذين جاءوا إلى مصر وأعجبهم العيش فيها قبل عشرات السنين..
وفي هذا المكان أثبت محمود براعة فائقة في عمله، لدرجة أن الصالون الذي كان يغلق أبوابه في السابعة مساء كل يوم، اضطر لتمديد فترة عمله مرات عديدة بسبب الإقبال الشديد عليه، وهو الأمر الذي لم يرق كثيراً لصاحب الصالون الذي كان يقدس الإغلاق في موعد محدد، فضلا عن ضيقه من الإقبال على حلاقة محمود تحديدا، الذي يتذكر تلك الفترة بقوله: اقترح علي زبائن كثيرون أن افتتح صالون حلاقة خاصاً بي حتى يمكنهم التعامل معي في أي وقت من دون ضغوط من صاحب الصالون، وبالفعل سعيت إلى ذلك. وكنت قد ادخرت مبلغاً من المال لا يتجاوز مائة جنيه، فبحثت عن مكان، وبالفعل وجدت مكاناً في شارع الشواربي وسط القاهرة دفعت فيه مقدم شهرين تأمين، وكان الشهر يقدر بـ 5 .25 جنيه، وبما تبقى لدي من مال جهزت المكان، وبدأت العمل فيه من دون أن أتخلى عن عملي في الصالون الآخر، لكن بعد فترة تضاعف الشغل علي، فاعتذرت عن عملي الأول وتفرغت لصالوني الخاص.
يتذكر محمود موقفاً للرئيس الراحل جمال عبدالناصر عندما استدعاه للحلاقة لنجله عبدالحكيم الذي كان يريد أن يطيل سوالفه وفق موضة العصر، إلا أن عبدالناصر أمره بأن يحلق له سوالفه تماماً حتى عينيه كي لا يتبع التقاليد الجديدة.
تعددت الشخصيات الأدبية والإعلامية والفنية الشهيرة التي تعامل معها لبيب، منهم على سبيل المثال يوسف إدريس، أنيس منصور، يوسف السباعي، إحسان عبدالقدوس، موسى صبري، إبراهيم سعده، سمير رجب، وأحمد زكي وعبد الحليم حافظ وصالح سليم وماجد المصري ومحمود عبد العزيز بالإضافة إلى العديد من الوزراء الحاليين والسابقين.
ويتذكر «لبيب» تجربته الأولى كحلاق للرئيس فيقول: أتى إلي جمال نجل الرئيس السادات برفقة أبناء الرئيس جمال عبدالناصر لكي أحلق لهم، وعندما رأى السادات حلاقة نجله استفسر منه عمن حلق له، بعدها أرسل إلي السادات لأحلق له، فقال لي سوف أقول لك على أماكن الضعف والقوة (الديفو) في شعري حتى تعرف كيف تتعامل مع شعري، ومن يومها أصبحت الحلاق الخاص للرئيس السادات طوال حياته.
أما عن علاقته بالرئيس مبارك فبدأت منذ كان مبارك نائبا للرئيس السادات، واستمرت حتى اليوم، ولهذه العلاقة قصة يتذكرها «لبيب»، حينما استدعته رئاسة الجمهورية للحلاقة لأحد الرؤساء الزائرين لمصر، وتم تحرير شيك له نظير الحلاقة للرئيس الضيف، إلا أن «لبيب» لم يهتم بالسؤال عن مصير هذا الشيك، حتى استدعاه ذات يوم الرئيس مبارك، وكان وقتها نائبا للرئيس السادات.
وقال له «ليك عندنا فلوس.. ليه مأخدتهاش»، ومنذ ذلك اليوم توطدت علاقته بالرئيس مبارك وأصبح حلاقه الخاص، ولنجليه علاء وجمال، وحفيديه عمر ومحمد.
ويقول اعتدت على زيارة علاء وجمال نجلي الرئيس لصالوني الخاص، لاسيما أن الأستاذ جمال كان عمله في البنك العربي الأفريقي وهو قريب من صالوني، لكن بعد ذلك وبعد تعرض الرئيس لمحاولة اعتداء في أديس أبابا بدأ الجميع يتخذون احتياطاتهم الأمنية، فصرت أذهب إليهما إما في منزلهما الخاص، أو في رئاسة الجمهورية عندما أقوم بالحلاقة للرئيس مبارك.
وينفي لبيب أي تحفظ في حديثه مع الرئيس مبارك.ويقول : إنه إنسان عادي جداً في بيته، فهو أب متميز، وجد محب لأحفاده، يلعب معهم حين يمسك أحد أحفاده الفرشاة يريد أن يمشط بها شعره، فيحني الرئيس بمنتهى الحب رأسه كي يمشطها له.



